رغم التوسع الكبير في مشروعات التحول الرقمي وتطوير الجهاز الإداري للدولة، لا تزال عبارة «تعالى بكرة» حاضرة في عدد من المصالح الحكومية، لتختصر معاناة يواجهها مواطنون أثناء إنهاء إجراءاتهم اليومية، وبين جهود الدولة لتبسيط الخدمات، وشكاوى المواطنين من بطء بعض الإجراءات، يبقى السؤال مطروحًا: هل اقتربت مصر من إنهاء أزمة الروتين الحكومي؟

خلال السنوات الأخيرة، وضعت الدولة تطوير الجهاز الإداري ضمن أولوياتها، فتم إطلاق العديد من الخدمات الإلكترونية، وإنشاء مراكز تكنولوجية لخدمة المواطنين، والتوسع في ميكنة الإجراءات داخل الوزارات والهيئات الحكومية، بهدف تقليل الاعتماد على الأوراق، وتقصير زمن الحصول على الخدمة، والحد من الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف.

ورغم هذه الخطوات، يرى مواطنون أن بعض الجهات لا تزال تعمل بالأسلوب التقليدي، حيث تستغرق بعض الخدمات وقتًا أطول من المتوقع، بسبب تعدد الإجراءات، أو الحاجة إلى مراجعات متكررة، أو الانتظار لحين توقيع مسؤول، وهو ما يؤدي إلى تكرار زيارة المواطن للمصلحة الحكومية أكثر من مرة.

ويؤكد متخصصون في الإدارة العامة أن الروتين لا يرتبط دائمًا بالقوانين، وإنما بطريقة تطبيقها، ففي كثير من الأحيان، تكون الإجراءات القانونية واضحة، لكن طول دورة العمل، وكثرة المراجعات الداخلية، وتعدد التوقيعات المطلوبة، تؤدي إلى تأخير إنجاز الخدمة، حتى في الحالات التي لا تستدعي ذلك.

كما يشير خبراء إلى أن نجاح التحول الرقمي لا يعتمد فقط على توفير أجهزة حديثة أو برامج إلكترونية، بل يحتاج أيضًا إلى إعادة هندسة الإجراءات نفسها، بحيث يتم اختصار الخطوات غير الضرورية، وربط قواعد البيانات بين الجهات المختلفة، حتى لا يضطر المواطن إلى تقديم مستندات تمتلكها الدولة بالفعل.

ومن أبرز التحديات التي تواجه المواطنين، اختلاف مستوى الخدمات من جهة إلى أخرى، فبينما نجحت بعض المصالح في تقليل زمن إنجاز المعاملات، لا تزال جهات أخرى تعتمد على إجراءات تستغرق وقتًا طويلًا، وهو ما يخلق تفاوتًا في مستوى الخدمة الحكومية.

ويؤكد متابعون أن الموظف الحكومي ليس وحده المسؤول عن هذه المشكلة، إذ يعمل كثير من الموظفين تحت ضغط كبير، ويواجهون كثافة في أعداد المترددين، أو نقصًا في الكوادر، أو تعليمات إدارية معقدة، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة الخدمة المقدمة للمواطن.

في المقابل، يرى مواطنون أن المعيار الحقيقي لنجاح أي تطوير إداري لا يتمثل في عدد الخدمات الإلكترونية أو حجم الاستثمارات في البنية التكنولوجية، وإنما في شعور المواطن بأن إنهاء معاملته أصبح أسرع وأسهل، وأنه لم يعد مضطرًا للعودة أكثر من مرة للحصول على الخدمة نفسها.

ويرى خبراء الإدارة أن استمرار تطوير المراكز التكنولوجية، والتوسع في الخدمات الرقمية، وتدريب الموظفين، وربط قواعد البيانات الحكومية، وتفعيل منظومة تقييم الأداء وفقًا لسرعة إنجاز الخدمات، تمثل عناصر أساسية للحد من الروتين وتحسين كفاءة الجهاز الإداري.

وتؤكد الحكومة في مناسبات مختلفة استمرار العمل على تطوير الخدمات الحكومية وتوسيع نطاق التحول الرقمي، باعتباره أحد محاور الإصلاح الإداري، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتبسيط الإجراءات، وتقليل زمن الحصول على الخدمة.

ويبقى إنهاء معاناة المواطن مع الروتين هدفًا يتطلب استمرار تطوير البنية التكنولوجية، إلى جانب تحديث آليات العمل داخل المؤسسات الحكومية، حتى تصبح سرعة الإنجاز وجودة الخدمة هي المعيار الأساسي، وتتحول عبارة «تم إنجاز طلبك» إلى المشهد المعتاد، بدلًا من الجملة التي ارتبطت طويلًا بمعاناة المواطنين: «تعالى بكرة».