لم تكن الرسائل التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي بشأن أهمية حرية الإعلام، واحترام الرأي والرأي الآخر، ودعم الحياة الحزبية مجرد عبارات بروتوكولية تُقال في مناسبة رسمية، بل جاءت لتفتح بابًا واسعًا للنقاش حول مستقبل المجال العام في مصر، خاصة في ظل الاستعدادات للاستحقاقات السياسية المقبلة، لكن السؤال الأهم لا يتعلق بما قاله الرئيس، وإنما بما سيحدث بعد ذلك: هل تمتلك المؤسسات والمسؤولون الإرادة والقدرة على ترجمة هذه الرسائل إلى واقع ملموس؟
في أي دولة، تمثل تصريحات رئيس الجمهورية بمثابة توجه للدولة بأكملها، ومن الطبيعي أن تتحرك مؤسساتها التنفيذية والإدارية بما يتوافق مع هذه التوجهات، وإذا كانت الرسالة الرئاسية تدعو إلى إعلام أكثر انفتاحًا، وحياة حزبية أكثر حيوية، واحترام الاختلاف في الرأي، فإن الاختبار الحقيقي يبدأ من مستوى التنفيذ، وليس عند حدود التصريحات.
المشهد الإعلامي في مصر خلال السنوات الماضية شهد حالة من الحذر لدى كثير من المؤسسات الإعلامية والصحفيين، نتيجة تداخل عوامل عديدة، منها المسؤولية الوطنية، ومنها أيضًا الخوف من الوقوع في أخطاء قد تُفسر بصورة مختلفة. لذلك، فإن أي حديث عن توسيع مساحة الرأي والتعبير يحتاج إلى بيئة تمنح الإعلامي والصحفي الثقة في ممارسة دوره المهني وفقًا للقانون، دون أن يتحول النقد الموضوعي إلى مصدر للقلق.
وينطبق الأمر نفسه على الحياة الحزبية، فوجود أحزاب قوية لا يرتبط فقط بعدد الأحزاب المسجلة، وإنما بقدرتها على التواصل مع المواطنين، وطرح برامج واقعية، والمنافسة السياسية، وإيجاد كوادر تستطيع الوصول إلى البرلمان والمجالس المنتخبة، وإذا كانت الدولة ترغب بالفعل في تنشيط الحياة السياسية، فإن ذلك يتطلب منح الأحزاب مساحة أوسع للحركة والعمل والتفاعل مع الشارع.
لكن التحدي الأكبر قد يكون داخل الجهاز الإداري نفسه، فالمسؤول الذي اعتاد على تجنب النقد، أو الذي يرى في كل رأي مخالف تهديدًا، قد يجد صعوبة في التكيف مع مرحلة تقوم على الحوار وتعدد الآراء، لذلك فإن نجاح الرسائل الرئاسية لن يتوقف على الإعلام أو الأحزاب فقط، بل على استعداد المسؤولين في مختلف المواقع لتقبل ثقافة جديدة تقوم على الشفافية، والاستماع، والرد على الانتقادات بالحجة والمعلومة، لا بالصمت أو التضييق.
ولا يعني ذلك أن حرية الرأي والإعلام تعني غياب الضوابط، فكل الدول الديمقراطية توازن بين حرية التعبير وبين احترام القانون، وعدم نشر الشائعات أو التحريض أو الإساءة، لكن هذا التوازن يتحقق عندما تكون الحدود واضحة، ويشعر الجميع بأن القانون يطبق بمعايير واحدة، وأن الاختلاف في الرأي لا يتحول إلى خصومة.
السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: هل سيبادر الوزراء والمحافظون ورؤساء الهيئات إلى فتح قنوات تواصل حقيقية مع الإعلام؟ وهل سيصبح حق الرد والتوضيح ممارسة يومية بدلاً من الاكتفاء بالبيانات الرسمية؟ وهل ستتقبل المؤسسات الحكومية النقد باعتباره وسيلة لتصحيح الأخطاء وليس هجومًا عليها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لن تأتي من التصريحات، وإنما من الممارسة اليومية، فعندما يجد الصحفي أن الحصول على المعلومة أصبح أسهل، وعندما يجد المواطن أن المسؤول يرد على تساؤلاته، وعندما تتمكن الأحزاب من ممارسة دورها بحرية في إطار القانون، عندها فقط يمكن القول إن الرسائل الرئاسية تحولت إلى واقع.
في المقابل، إذا بقيت البيروقراطية على حالها، واستمرت بعض الجهات في التعامل مع الإعلام بمنطق التحفظ أو التجاهل، فإن الفجوة بين التوجيهات العليا وآليات التنفيذ ستظل قائمة، وهو ما قد يحد من الأثر الإيجابي لهذه الرسائل.
إن المرحلة الحالية تمثل فرصة حقيقية لإعادة بناء جسور الثقة بين الدولة والإعلام والمجتمع. فالدولة القوية لا تخشى الحوار، والإعلام المهني لا يكون خصمًا للدولة، بل شريكًا في كشف المشكلات وعرض الحلول، والأحزاب القوية تضيف إلى استقرار الدولة ولا تنتقص منه.
وفي النهاية، فإن تصريحات الرئيس السيسي وضعت إطارًا سياسيًا واضحًا يدعو إلى إعلام أكثر انفتاحًا، وحياة حزبية أكثر فاعلية، واحترام الرأي والرأي الآخر ويبقى التحدي الحقيقي أمام جميع المسؤولين هو ترجمة هذه الرسائل إلى سياسات وإجراءات وممارسات يومية، لأن نجاح أي توجيه رئاسي لا يُقاس بما يُقال، وإنما بما يلمسه المواطن على أرض الواقع.