منذ انطلاق منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة، ارتبط اسمها بفكرة مهمة وهي إعادة تنظيم العلاقة بين المواطن والجهات التنفيذية، من خلال توفير قناة رسمية يستطيع من خلالها المواطن عرض مشكلاته ومتابعة ما يتم بشأنها، بدلًا من الاعتماد على الطرق التقليدية التي كانت تجعل البعض في رحلة طويلة بين الإدارات المختلفة بحثًا عن الجهة المسؤولة.
الفكرة الأساسية للمنظومة جاءت لتضع حدًا لحالة التشتت التي كان يعاني منها بعض المواطنين عند تقديم الشكاوى، فبدلًا من أن يحمل المواطن ملفه من جهة إلى أخرى، أصبح هناك مسار إلكتروني موحد تستقبل من خلاله الشكاوى ويتم توجيهها إلى الجهات المختصة، بما يحقق قدرًا أكبر من التنظيم والسرعة في التعامل مع مطالب المواطنين.
وخلال السنوات الماضية، أصبحت المنظومة واحدة من الأدوات المهمة التي تعكس نبض الشارع، ليس فقط باعتبارها وسيلة لتلقي الشكاوى، ولكن باعتبارها مصدرًا للمعلومات حول طبيعة المشكلات التي تواجه المواطنين في حياتهم اليومية، فالشكوى لم تعد مجرد طلب فردي، وإنما أصبحت مؤشرًا يكشف مناطق تحتاج إلى تدخل أو تطوير داخل قطاعات مختلفة.
لكن مع زيادة اعتماد المواطنين على المنظومة، بدأت تظهر زاوية أخرى من التجربة، لا تتعلق بمرحلة تقديم الشكوى أو تسجيلها، وإنما بالرحلة التي تبدأ بعد ذلك؛ رحلة المتابعة وانتظار الحل.
فالمواطن عندما يلجأ إلى منظومة الشكاوى لا يكون هدفه الحصول على رقم للطلب أو رسالة تفيد باستلام شكواه فقط، وإنما يكون لديه انتظار واضح بأن تتحول هذه الخطوة إلى نتيجة تنهي المشكلة التي دفعته إلى اللجوء للمنظومة من الأساس، وهنا تظهر الفجوة التي يتحدث عنها بعض أصحاب الشكاوى بين سهولة تقديم الطلب وبين سرعة الوصول إلى حل نهائي.
وتزداد هذه الإشكالية في الشكاوى التي تتداخل فيها اختصاصات أكثر من جهة حكومية، حيث يجد المواطن أحيانًا أن المشكلة تحتاج إلى انتقال الملف بين مؤسسات مختلفة للوصول إلى المسؤول المباشر عن التعامل معها، ورغم أن تحويل الشكوى إلى الجهة المختصة يعد إجراءً تنظيميًا ضروريًا، فإن المواطن قد ينظر إلى الأمر من زاوية مختلفة؛ فهو لا يرى دورة العمل الداخلية بين الجهات، وإنما يرى فقط أن مشكلته ما زالت قائمة وأن الوقت يمر دون تغيير ملموس.
وهنا يصبح التحدي الحقيقي أمام المنظومة ليس فقط في استقبال الشكاوى، وإنما في إدارة المرحلة التي تلي الاستقبال، بحيث يشعر المواطن أن هناك جهة تتابع الملف حتى نهايته، حتى لو تطلب الحل تعاون أكثر من مؤسسة.
فنجاح أي منظومة للشكاوى لا يقاس بعدد الطلبات التي تدخل إليها، وإنما بقدرتها على إغلاق دائرة المشكلة بشكل كامل. فالرد الإداري على الشكوى يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يكون كافيًا إذا لم يشعر المواطن بأن المشكلة التي تقدم بسببها قد انتهت بالفعل.
كما أن التعامل مع الشكاوى يجب ألا يقتصر على حل الحالات الفردية، لأن القيمة الأكبر لهذه المنظومة تكمن في قدرتها على اكتشاف الأنماط المتكررة للمشكلات، فعندما تتكرر شكاوى المواطنين من خدمة معينة أو إجراء محدد، فإن الأمر يتحول من مشكلة فردية إلى مؤشر يحتاج إلى تحليل ودراسة لمعرفة الأسباب الحقيقية وراء استمرارها.
ومن هنا تصبح الشكوى أداة لتحسين الأداء وليس مجرد عبء إداري. فالمواطن الذي يرسل شكوى لا يقدم فقط طلبًا للحصول على حق أو خدمة، وإنما يقدم معلومة تساعد المؤسسات على معرفة نقاط الضعف التي قد لا تظهر من خلال التقارير التقليدية.
ويرتبط نجاح المنظومة بشكل كبير بعنصر الثقة، لأن المواطن عندما يختار تقديم شكواه عبر القنوات الرسمية فإنه يفعل ذلك لأنه يتوقع وجود مسار واضح ينتهي إلى نتيجة، وكلما شعر المواطن بأن صوته مسموع وأن هناك متابعة حقيقية، زادت ثقته في استخدام المنظومة، وأصبحت وسيلة أكثر فاعلية للتواصل بين الدولة والمجتمع.
أما التحدي الأكبر فيظل في الحفاظ على هذه الثقة من خلال تقليل الفجوة بين تسجيل الشكوى وحلها، وتطوير آليات المتابعة، ومنح المواطن صورة أكثر وضوحًا عن مراحل التعامل مع طلبه، خصوصًا في الملفات التي تحتاج إلى تنسيق بين جهات متعددة.
إن منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة تمثل تجربة مهمة في مسار تطوير الخدمات العامة، لأنها نقلت شكوى المواطن من مساحة غير منظمة إلى إطار أكثر وضوحًا، لكن استمرار نجاحها يحتاج إلى مرحلة جديدة تركز على ما بعد استقبال الشكوى، أي ضمان سرعة الوصول إلى الحل وتحويل صوت المواطن إلى إجراءات يشعر بها في حياته اليومية.
فالمواطن في النهاية لا يبحث عن مكان يضع فيه شكواه فقط، بل يبحث عن جهة تستمع إليه وتتابع مشكلته حتى النهاية، والاختبار الحقيقي لأي منظومة شكاوى ليس عدد البلاغات التي استقبلتها، وإنما عدد المشكلات التي نجحت في إنهائها، وعدد المواطنين الذين شعروا بأن صوتهم تحول بالفعل إلى استجابة حقيقية.