كتب: الرفاعي عيد
في المشهد البرلماني المصري، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الأدوار التشريعية والرقابية، برز اسم النائب ضياء الدين داود باعتباره أحد أكثر أعضاء مجلس النواب حضورًا في المناقشات العامة، وأكثرهم إثارة للجدل في عدد من الملفات السياسية والاقتصادية. فمنذ دخوله البرلمان، ارتبط اسمه بالمداخلات المطولة، والاعتراضات القانونية، والتمسك بإبداء الرأي حتى في القضايا التي تحظى بتأييد الأغلبية.
ورغم أن الحياة النيابية المصرية تضم مئات النواب، فإن عددًا محدودًا منهم استطاع أن يصنع حضورًا إعلاميًا وسياسيًا يتجاوز حدود دائرته الانتخابية، وكان ضياء الدين داود أحد هؤلاء، بفضل أسلوبه في النقاش، وخلفيته القانونية، وتمسكه بما يصفه دائمًا بأنه "حق النائب في الرقابة والتشريع وفقًا للدستور".
ينتمي ضياء الدين داود إلى محافظة دمياط، ويمارس مهنة المحاماة، وهي المهنة التي صقلت أدواته القانونية قبل دخوله العمل البرلماني. وقد اكتسب شهرة واسعة في الأوساط القانونية بمحافظته، قبل أن يخوض الانتخابات البرلمانية مستقلاً، مستندًا إلى رصيد من العلاقات المجتمعية والعمل العام، إضافة إلى إرث سياسي ارتبط باسم عمه الراحل ضياء الدين داود، القيادي الناصري ووزير الشؤون الاجتماعية الأسبق ورئيس الحزب العربي الديمقراطي الناصري، الذي ظل أحد أبرز رموز المعارضة في العقود الأخيرة من القرن الماضي.
لكن النائب الحالي حرص منذ بداياته على أن يصنع مساره السياسي الخاص، بعيدًا عن الاكتفاء بالاستناد إلى الاسم العائلي. فمع دخوله مجلس النواب، اتجه إلى بناء صورة نائب يعتمد على الحضور داخل القاعة البرلمانية أكثر من الاعتماد على الظهور الإعلامي، وإن كان الأخير قد جاء لاحقًا نتيجة لمواقفه داخل المجلس.
ويُعد داود من النواب الذين يركزون بصورة أساسية على استخدام الأدوات الرقابية التي يكفلها الدستور واللائحة الداخلية لمجلس النواب، مثل طلبات الإحاطة والبيانات العاجلة، فضلًا عن مشاركاته المستمرة في مناقشات مشروعات القوانين والبيانات الحكومية. وقد تقدم في أكثر من مناسبة بطلبات إحاطة تتعلق بقضايا خدمية ورقابية في محافظة دمياط.
وعلى المستوى الوطني، ارتبط اسم ضياء الدين داود بعدد من الملفات التي أثارت نقاشًا واسعًا داخل البرلمان، خاصة القوانين ذات الطبيعة الاقتصادية أو التشريعات التي تمس الحقوق والحريات. وخلال مناقشات تلك القوانين، كان يقدم مرافعات قانونية مطولة، يستند فيها إلى نصوص الدستور وأحكام القضاء والمبادئ الدستورية، وهو ما أكسبه صورة النائب الذي يفضل المواجهة تحت القبة على الاكتفاء بالتصريحات الإعلامية.
ويرى داود أن وظيفة البرلمان لا تقتصر على إقرار التشريعات، وإنما تشمل ممارسة رقابة فعالة على أداء السلطة التنفيذية. وفي تصريحات صحفية، أكد أكثر من مرة أن المعارضة البرلمانية ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما هي موقف يتحدد وفق مضمون السياسات والبرامج الحكومية، مشددًا على أنه لا يعتبر نفسه "زعيمًا للمعارضة"، لأنه لا يرأس حزبًا ولا يمتلك كتلة برلمانية، وإنما يمارس دوره كنائب منتخب.
وفي الملف الاقتصادي، كان من أكثر النواب انتقادًا للسياسات الاقتصادية الحكومية، معتبرًا في أكثر من مناسبة أن معالجة التحديات الاقتصادية تتطلب مراجعة للسياسات العامة، وليس مجرد تغيير الأشخاص. كما دعا إلى برنامج اقتصادي جديد يركز على الإنتاج والاستثمار وتحقيق العدالة الاجتماعية، وهي مواقف أعلنها في لقاءات إعلامية ومداخلات برلمانية موثقة.
ولم تقتصر مواقفه على القضايا الاقتصادية، بل امتدت إلى عدد من التشريعات التي شهدت نقاشًا واسعًا داخل البرلمان، حيث سجل اعتراضاته أو تحفظاته على بعض النصوص القانونية، مع تقديم مبررات قانونية ودستورية لذلك. وفي المقابل، أكد في أكثر من مناسبة احترامه لنتائج التصويت البرلماني باعتبارها التعبير النهائي عن إرادة الأغلبية داخل المجلس.
ويتميز أسلوب ضياء الدين داود داخل البرلمان بالاعتماد على لغة قانونية مباشرة، كثيرًا ما تتضمن الاستشهاد بنصوص الدستور والمواد القانونية، وهو ما يرجع إلى خلفيته المهنية كمحامٍ. كما يتجنب، في الغالب، الاكتفاء بالشعارات السياسية، ويفضل عرض دفوع قانونية يراها داعمة لموقفه، سواء اتفق معه الآخرون أو اختلفوا.
ورغم حضوره البرلماني اللافت، يبقى داود شخصية محل تباين في التقييم. فمؤيدوه يرون فيه نموذجًا للنائب الذي يمارس دوره الرقابي بلا تردد، ويتمسك بحق البرلمان في مناقشة جميع القضايا بشفافية، بينما يرى منتقدوه أن مواقفه تتسم أحيانًا بالحدة، وأن اعتراضاته المتكررة لا تصاحبها دائمًا بدائل تشريعية كافية. وتظل هذه المواقف آراء سياسية تعبر عن أصحابها، وليست حقائق موضوعية.
ولا يمكن فهم تجربة ضياء الدين داود السياسية بمعزل عن البيئة التي نشأ فيها. فمحافظة دمياط، التي عُرفت تاريخيًا بنشاطها النقابي والمهني، كانت حاضنة لعدد من الشخصيات العامة والسياسية، كما أن ارتباط اسمه بعائلة لعبت دورًا في الحياة السياسية المصرية أتاح له الاحتكاك المبكر بالشأن العام، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية في المحاماة، ثم يخوض غمار الانتخابات البرلمانية.
وخلال حملاته الانتخابية، ركز داود على قضايا الخدمات المحلية، وتحسين المرافق، والدفاع عن حقوق أبناء دمياط، إلى جانب الملفات الوطنية المتعلقة بالتشريع والرقابة. ويؤكد في خطاباته أن النائب لا يمثل دائرته فقط، بل يمثل الشعب بأكمله عند مناقشة القوانين العامة والسياسات الحكومية.
ومن الناحية الإعلامية، تحول ضياء الدين داود إلى أحد أكثر النواب حضورًا في التغطيات البرلمانية، خاصة أثناء مناقشة القوانين المثيرة للنقاش. فكثيرًا ما تتصدر مداخلاته عناوين الصحف والمواقع الإخبارية، سواء اتفق المتابعون مع آرائه أم اختلفوا معها، وهو ما يعكس حضوره في المجال العام أكثر مما يعكس حجم كتلته السياسية داخل المجلس.
وتبقى تجربة ضياء الدين داود نموذجًا لنائب اختار أن يبني حضوره من خلال الأداء البرلماني والاشتباك مع الملفات العامة، لا من خلال المناصب الحزبية أو التنفيذية. وبين مؤيد يرى فيه صوتًا رقابيًا بارزًا، ومنتقد يعتبره صاحب خطاب معارض دائم، يظل الرجل أحد الأسماء التي فرضت حضورها في الحياة النيابية المصرية خلال السنوات الأخيرة.
وفي النهاية، فإن تقييم تجربة ضياء الدين داود يظل مرهونًا بمعيار كل متابع لدور النائب البرلماني. فمن ينظر إلى البرلمان باعتباره ساحة للنقاش والرقابة قد يرى في تجربته نموذجًا للحضور الفاعل، بينما قد يختلف معه آخرون في بعض مواقفه أو تقديراته السياسية. لكن ما يصعب إنكاره هو أن اسمه أصبح جزءًا من المشهد البرلماني المصري المعاصر، وأن حضوره في القاعة وفي النقاشات العامة جعله أحد أكثر النواب تداولًا في وسائل الإعلام، وهو حضور تشكل عبر سنوات من العمل القانوني والنيابي، أكثر مما تشكل عبر الخطاب السياسي وحده.


