من مؤتمر الرقمنة إلى معركة إنقاذ «ذاكرة وطن»
في وقت تستعد فيه الهيئة الوطنية للإعلام للإعلان عن تفاصيل مشروع رقمنة محتوى ماسبيرو بالتعاون مع إحدى الشركات التكنولوجية الصينية الكبرى، يعود الحديث من جديد حول واحد من أهم الملفات التي تمس تاريخ الإعلام المصري، وهو مصير الأرشيف الضخم الذي ظل لعقود شاهدًا على تحولات سياسية واجتماعية وفنية وثقافية شكلت وجدان المصريين.
المشروع يأتي تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة حماية التراث الإذاعي والتليفزيوني المصري، وتحويل المحتوى الموجود داخل الهيئة إلى صيغة رقمية تضمن الحفاظ عليه، وإتاحته للاستثمار عبر المنصات الحديثة.
لكن خلف هذا الإعلان تقف قصة طويلة من التحديات؛ فعملية الرقمنة ليست مجرد نقل شرائط قديمة إلى أجهزة حديثة، وإنما محاولة لإنقاذ ثروة إعلامية تواجه مخاطر التلف، وإعادة تقديم مؤسسة عريقة تحاول استعادة دورها في عصر تغيرت فيه قواعد صناعة الإعلام.
أرشيف ماسبيرو.. كنز عمره عقود مهدد بالصمت
يمتلك ماسبيرو واحدًا من أغنى الأرشيفات الإعلامية في المنطقة العربية، فهو لا يضم مجرد تسجيلات وبرامج، وإنما يحفظ تفاصيل الحياة المصرية عبر عشرات السنين.
داخل هذا الأرشيف توجد تسجيلات نادرة لزعماء وشخصيات عامة، وحوارات مع كبار الكتاب والفنانين، ونشرات أخبار توثق الأحداث الكبرى، بالإضافة إلى آلاف الساعات من الدراما والبرامج الثقافية والترفيهية التي صنعت تاريخ التليفزيون المصري.
لكن هذا الكنز ظل لفترات طويلة يعتمد على وسائط تخزين قديمة مثل الشرائط الممغنطة، وهي وسائط تحتاج إلى ظروف حفظ دقيقة، كما أن مرور الزمن يؤدي إلى تراجع جودتها، وبعضها أصبح يحتاج إلى أجهزة تشغيل لم تعد متوفرة بسهولة.
الخطر الحقيقي لم يكن فقط فقدان صورة أو صوت، وإنما احتمال فقدان جزء من الذاكرة الوطنية، لأن بعض المواد الموجودة داخل الأرشيف لا يمكن تعويضها أو إعادة إنتاجها مرة أخرى.
لماذا أصبحت الرقمنة ضرورة وليست رفاهية؟
في عالم أصبحت فيه المنصات الرقمية هي الوسيلة الأساسية للوصول إلى الجمهور، لم يعد الاحتفاظ بالأرشيف داخل المخازن كافيًا.
فالرقمنة تمنح المحتوى فرصة جديدة للحياة، من خلال تحويل التسجيلات القديمة إلى ملفات إلكترونية يمكن تصنيفها وحفظها واسترجاعها بسهولة، بالإضافة إلى إمكانية إعادة تقديمها للجمهور عبر المنصات المختلفة.
كما تفتح الرقمنة الباب أمام استثمار هذا المحتوى، فبدلًا من أن تظل آلاف الساعات محفوظة بعيدًا عن الجمهور، يمكن إعادة استخدامها في إنتاج أفلام وثائقية، وبرامج جديدة، ومحتوى رقمي يستهدف الأجيال الشابة.
أزمة ماسبيرو.. لماذا فقد المبنى جزءًا من بريقه؟
رغم المكانة التاريخية لماسبيرو، فإن المؤسسة واجهت خلال السنوات الماضية مجموعة من الأزمات التي أثرت على قدرتها على المنافسة.
فصناعة الإعلام تغيرت بشكل جذري، وانتقلت من عصر القنوات الأرضية والفضائية التقليدية إلى عصر المنصات الرقمية، والسوشيال ميديا، والمحتوى السريع الذي يصل إلى الجمهور عبر الهاتف المحمول.
هذا التحول وضع المؤسسات الإعلامية التقليدية أمام تحديات كبيرة، وكان ماسبيرو من أكثر المؤسسات التي احتاجت إلى إعادة صياغة طريقة عملها بما يتناسب مع العصر الجديد.
الديون.. الملف الذي أثقل حركة التطوير
من أبرز الأزمات التي واجهت ماسبيرو خلال السنوات الماضية الأزمة المالية، حيث تراكمت الالتزامات وأصبحت تكلفة التشغيل تمثل عبئًا كبيرًا على المؤسسة.
فطبيعة المبنى الضخم، وتعدد القطاعات التابعة له، واحتياجات الصيانة والتحديث، كلها عوامل جعلت الإدارة تواجه تحديات في توفير الموارد اللازمة للتطوير المستمر.
الأزمة المالية لم تؤثر فقط على الجانب الإداري، بل انعكست أيضًا على سرعة تحديث المعدات والاستوديوهات، وعلى قدرة المؤسسة على المنافسة مع كيانات إعلامية تمتلك إمكانيات مالية وتقنية أكبر.
العمالة.. ثروة بشرية تحتاج إلى إعادة توظيف
يضم ماسبيرو أعدادًا كبيرة من أصحاب الخبرات في مختلف مجالات العمل الإعلامي؛ من مذيعين ومخرجين ومعدين ومصورين وفنيين، وهم يمثلون مدرسة إعلامية لها تاريخ طويل.
لكن التحدي خلال السنوات الأخيرة كان كيفية الاستفادة من هذه الخبرات في بيئة إعلامية تغيرت أدواتها.
فالمذيع لم يعد فقط يقف أمام الكاميرا، والمخرج لم يعد يعمل بالأساليب التقليدية نفسها، والمحتوى أصبح يحتاج إلى مهارات جديدة مرتبطة بالمنصات الرقمية وتحليل الجمهور والتقنيات الحديثة.
ولهذا فإن إعادة تأهيل العنصر البشري أصبحت لا تقل أهمية عن تحديث المعدات.
المنافسة الجديدة.. عندما تغير شكل الجمهور
كان ماسبيرو لعقود المصدر الرئيسي للأخبار والبرامج والترفيه في مصر، لكن المشهد الإعلامي تغير بصورة كبيرة.
اليوم يستطيع المواطن متابعة الخبر من هاتفه خلال دقائق، ويختار بين عشرات المنصات والقنوات، وأصبح نجاح أي مؤسسة إعلامية مرتبطًا بقدرتها على فهم الجمهور وسرعة الوصول إليه.
وهنا ظهر التحدي الأكبر أمام ماسبيرو: كيف يحافظ على هويته التاريخية، وفي الوقت نفسه يقدم محتوى يناسب جمهورًا جديدًا يعيش في عصر مختلف؟
المحتوى.. هل المشكلة في الإنتاج أم طريقة التقديم؟
يمتلك ماسبيرو كنزًا من المحتوى، لكن امتلاك الأرشيف وحده لا يكفي، فالقيمة الحقيقية تكمن في القدرة على إعادة تقديمه.
فالكثير من الأعمال القديمة يمكن أن تجد جمهورًا جديدًا إذا تم تقديمها بأسلوب حديث، من خلال إعادة المعالجة، وإنتاج الوثائقيات، واستخدام أدوات العرض الرقمية.
المشكلة لم تكن يومًا في غياب المحتوى، وإنما في آليات الوصول به إلى الجمهور.
ما بعد الرقمنة.. هل يعود ماسبيرو لاعبًا رئيسيًا؟
نجاح مشروع الرقمنة سيكون خطوة مهمة، لكنه يحتاج إلى أن يكون جزءًا من خطة أكبر لإعادة بناء المؤسسة.
فالرقمنة تحفظ الماضي، لكنها لا تصنع المستقبل وحدها. المستقبل يحتاج إلى رؤية واضحة للإنتاج، وتطوير المحتوى، والاستفادة من التكنولوجيا، وإعادة تعريف دور ماسبيرو في سوق الإعلام.
ماسبيرو.. من مبنى للإرسال إلى منصة للذاكرة المصرية
لم يكن ماسبيرو مجرد مبنى يضم استوديوهات، بل كان مؤسسة صنعت جزءًا كبيرًا من تاريخ مصر الحديث.
واليوم تقف المؤسسة أمام فرصة جديدة؛ فبدلًا من أن تظل ذكريات الماضي محفوظة داخل شرائط مهددة بالتلف، يمكن أن تتحول إلى محتوى حي يصل إلى الأجيال الجديدة.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط مع الزمن الذي يهدد الأشرطة القديمة، وإنما مع تحدي تحويل تاريخ ماسبيرو من أرشيف مغلق إلى قوة إعلامية جديدة.