لم تعد الحرب الإيرانية تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق أو المواقع العسكرية التي تُستهدف، بل أصبحت تمتد إلى مساحة أوسع وأكثر تأثيرًا، هي الممرات البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي. ففي الوقت الذي تتبادل فيه القوى الإقليمية والدولية الضربات العسكرية، تدور معركة أخرى لا تقل خطورة في مضيق هرمز وباب المندب، حيث أصبحت حركة السفن وناقلات النفط جزءًا من حسابات الصراع، وأصبحت التجارة العالمية رهينة للتوترات العسكرية.
فعندما يتصاعد القتال في الخليج، تتجه أنظار العالم أولًا إلى مضيق هرمز، ذلك الشريان البحري الضيق الذي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز القادمة من دول الخليج إلى الأسواق العالمية ولم يعد المضيق مجرد ممر ملاحي، بل تحول إلى ورقة ضغط استراتيجية تمتلك تأثيرًا يتجاوز حدود المنطقة، لأن أي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على أسعار الطاقة، وأسواق المال، وتكاليف النقل البحري. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن التوترات العسكرية أدت إلى اضطراب حركة الملاحة وارتفاع المخاوف في أسواق الطاقة.
لكن المشهد لا يتوقف عند هرمز، فإلى الجنوب، يقف باب المندب باعتباره البوابة التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وهو الطريق الإجباري للسفن المتجهة إلى قناة السويس، وإذا كان هرمز يتحكم في خروج النفط من الخليج، فإن باب المندب يتحكم في وصوله إلى أوروبا وجزء كبير من الأسواق العالمية، وهو ما يجعل الممرين بمثابة شريانين متصلين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
وفي قلب هذه المعادلة يظهر الحوثيون، الذين تحولوا من طرف محلي في الحرب اليمنية إلى لاعب مؤثر في أمن الملاحة بالبحر الأحمر، فقد أدت هجماتهم وتهديداتهم المتكررة إلى زيادة المخاطر على السفن التجارية، بينما دفعت التوترات الأخيرة إلى تصاعد المخاوف من اتساع نطاق استهداف حركة الملاحة، وهو ما يهدد بزيادة تكلفة الشحن والتأمين وإطالة زمن الرحلات البحرية.
وتكمن الخطورة الحقيقية في احتمال تعرض هرمز وباب المندب لضغوط متزامنة ففي هذه الحالة لن يكون أمام كثير من شركات الشحن سوى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهي رحلة أطول بآلاف الكيلومترات، تعني استهلاكًا أكبر للوقود، وتأخيرًا في وصول البضائع، وارتفاعًا في أسعار النقل، وهو ما ينعكس في النهاية على أسعار الغذاء والدواء والسلع الأساسية في مختلف دول العالم.
وتكشف الحرب الإيرانية أن مفهوم القوة لم يعد يقتصر على امتلاك الجيوش والأسلحة المتطورة، بل أصبح مرتبطًا أيضًا بالقدرة على التأثير في سلاسل الإمداد العالمية فتعطيل ناقلات النفط أو تهديد خطوط الملاحة قد يحقق ضغوطًا اقتصادية تعادل في تأثيرها نتائج العمليات العسكرية المباشرة، بل وربما تتجاوزها في بعض الأحيان.
ولا تقف التداعيات عند قطاع الطاقة، إذ تمتد إلى حركة الحاويات، وسلاسل التوريد، والصناعات التي تعتمد على وصول المواد الخام في مواعيد محددة، فكل يوم تتأخر فيه السفن، تتراكم خسائر جديدة، وتزداد تكلفة الإنتاج، وتصبح الأسواق أكثر عرضة للتقلبات.
أما بالنسبة لمصر، فإن استقرار البحر الأحمر وباب المندب يمثل أهمية استراتيجية، ليس فقط لحماية الملاحة الدولية، وإنما أيضًا لضمان استمرار حركة السفن عبر قناة السويس، التي تعد أحد أهم الممرات البحرية في العالم ومصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية، ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد في جنوب البحر الأحمر ينعكس بصورة مباشرة على حركة التجارة العابرة للقناة.
ورغم أن القوى الدولية تسعى إلى حماية حرية الملاحة ومنع إغلاق الممرات البحرية، فإن الواقع يؤكد أن هذه الممرات أصبحت جزءًا من أدوات الردع والضغط السياسي والعسكري، وأن مستقبل الاقتصاد العالمي بات مرتبطًا بمدى نجاح المجتمع الدولي في منع تحولها إلى ساحات مواجهة مفتوحة.
لقد أثبتت الحرب الإيرانية أن أخطر ما فيها ليس فقط تبادل الضربات العسكرية، وإنما قدرتها على نقل الصراع من اليابسة إلى البحر، حيث تتحول المضايق إلى أوراق ضغط، وتصبح السفن أهدافًا محتملة، ويجد العالم نفسه أمام معادلة جديدة عنوانها أن أمن التجارة العالمية لم يعد مضمونًا كما كان، وأن أي شرارة في هرمز قد تمتد إلى باب المندب، ومنها إلى كل بيت يعتمد على سلعة جاءت عبر البحر.