في كل شارع حكاية لا تُكتب في دفاتر الشركات، ولا تظهر في تقارير الاقتصاد الرسمية، لكنها تتحرك يوميًا أمام أعين الجميع. جنيهات قليلة تنتقل من يد إلى أخرى تحت مسميات مختلفة: "حق الشاي"، "البقشيش"، "حساب الركنة"، أو "معلش يا باشا"، مبالغ تبدو بسيطة في كل مرة، لكنها عندما تتكرر آلاف المرات يوميًا تتحول إلى ما يمكن تسميته بـ "اقتصاد السبوبة"؛ اقتصاد غير رسمي له قواعده الخاصة، وأبطاله الذين يعتمدون عليه كمصدر رزق أو دخل إضافي. لم يعد الأمر مجرد تصرف فردي أو موقف عابر، بل أصبح ظاهرة اجتماعية مرتبطة بتفاصيل الحياة اليومية، فالمواطن الذي يخرج من منزله قد يواجه عشرات المواقف التي يدفع فيها مبالغ صغيرة مقابل خدمة أو مساعدة أو مجرد تسهيل إجراء، حتى أصبح البعض يتعامل معها باعتبارها جزءًا طبيعيًا من يومه، بينما يرى آخرون أنها تمثل عبئًا جديدًا على ميزانية الأسر. السايس.. بين خدمة المواطن والسيطرة على الرصيف ربما يكون "السايس" هو الاسم الأكثر ارتباطًا باقتصاد السبوبة في الشارع، فمع زيادة أعداد السيارات وقلة أماكن الانتظار، تحولت بعض الأرصفة والشوارع الجانبية إلى مساحات لها "حراس" غير رسميين. هناك من يرى أن السايس يقدم خدمة حقيقية، فهو يساعد في تنظيم السيارات، ويوفر مكانًا للركن، ويتحمل مسؤولية متابعة السيارات في بعض الأحيان، وفي المقابل، يرى مواطنون أن الأمر تحول في بعض المناطق إلى فرض مقابل مالي على أماكن عامة، وكأن الرصيف أصبح ملكية خاصة لاستخدامها. وبين الرأي والرأي الآخر، يبقى السايس نموذجًا واضحًا لاقتصاد نشأ من احتياج يومي؛ احتياج أصحاب السيارات إلى مكان، واحتياج بعض الأشخاص إلى مصدر دخل سريع. البقشيش.. عادة اجتماعية أم راتب غير معلن؟ في العديد من المهن، أصبح البقشيش جزءًا من المعادلة اليومية. عامل المطعم، عامل التوصيل، مقدم الخدمة، وحتى بعض العمال في الخدمات المختلفة، قد ينتظرون مبلغًا إضافيًا بجانب المقابل الأساسي. البعض يعتبر البقشيش نوعًا من التقدير وحافزًا للعامل على تقديم خدمة أفضل، بينما يرى آخرون أنه تحول تدريجيًا من "مكافأة اختيارية" إلى التزام غير مكتوب يشعر معه المواطن بأنه مطالب بالدفع حتى لو كانت الخدمة مدفوعة بالفعل. المفارقة أن كثيرًا من العاملين في هذه المجالات لا ينظرون إلى البقشيش باعتباره رفاهية، بل يرونه جزءًا أساسيًا من دخلهم اليومي، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وصعوبة الحصول على وظائف مستقرة. الركنة.. أزمة مساحة صنعت سوقًا جديدًا في المدن المزدحمة، قد تصبح مساحة صغيرة بجوار الرصيف ذات قيمة كبيرة، دقائق البحث عن مكان لانتظار السيارة قد تتحول إلى تفاوض يومي بين السائق ومن يعرض عليه "تظبيط الركنة". ومع تزايد الضغط على المناطق التجارية والشوارع الرئيسية، ظهرت سوق غير رسمية قائمة على توفير أماكن الانتظار مقابل مبالغ مالية، سوق لا تحتاج إلى مكتب أو إعلان، بل تعتمد على معرفة المكان والوقت واحتياج الناس. فالركنة لم تعد مجرد مساحة فارغة، بل أصبحت موردًا اقتصاديًا لمن يملك القدرة على السيطرة عليها أو تنظيمها، حتى لو كان بشكل غير رسمي. اقتصاد صغير بأموال كبيرة قد يبدو المبلغ الذي يدفعه المواطن بسيطًا؛ جنيهات أو عشرات الجنيهات في المرة الواحدة، لكن تكرار هذه العمليات يوميًا يجعلها حركة مالية مستمرة، فهناك ملايين التعاملات الصغيرة التي تتم بعيدًا عن الاقتصاد الرسمي، لكنها تؤثر في سلوك الأفراد وطريقة إنفاقهم. خطورة هذا النوع من الاقتصاد ليست فقط في قيمته المالية، بل في تحوله إلى ثقافة يومية، حيث يصبح الدفع الإضافي أمرًا متوقعًا في مواقف كثيرة، ويصبح المواطن مضطرًا لحساب هذه المبالغ ضمن مصروفاته. لماذا ينمو اقتصاد السبوبة؟ يرتبط انتشار هذا النوع من الاقتصاد بعدة عوامل، أبرزها البحث عن فرص دخل في ظل صعوبة سوق العمل، والرغبة في توفير مصدر رزق سريع لا يحتاج إلى مؤهلات أو رأس مال كبير. كما أن بعض الخدمات غير المنظمة تخلق مساحات لظهور أشخاص يقدمون حلولًا مؤقتة لمشكلات يومية، مثل توفير مكان للسيارة أو تسهيل بعض الإجراءات أو تقديم خدمات بسيطة. لكن المشكلة تظهر عندما يتحول الأمر من خدمة اختيارية إلى ممارسة مفروضة، أو عندما يغيب التنظيم الذي يحفظ حقوق جميع الأطراف. بين الحاجة والتنظيم لا يمكن النظر إلى اقتصاد السبوبة باعتباره مجرد ظاهرة سلبية، فهو في جانب منه يعكس قدرة بعض الفئات على البحث عن فرص للعيش والعمل، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن حاجة ملحة لتنظيم كثير من الخدمات اليومية. فالسايس يمكن أن يتحول إلى وظيفة منظمة، والبقشيش يمكن أن يبقى مكافأة اختيارية، وخدمات الشوارع يمكن أن تخضع لقواعد واضحة تحقق التوازن بين حق المواطن وحق من يقدم الخدمة. في النهاية، يظل "اقتصاد السبوبة" مرآة لحياة الشارع؛ يكشف كيف تتحرك الأموال الصغيرة بين الناس، وكيف تتحول التفاصيل البسيطة إلى جزء من اقتصاد يومي له تأثيره على المجتمع، وبين من يراه حلاً مؤقتًا لأزمة الدخل، ومن يراه عبئًا إضافيًا، تبقى الحاجة قائمة لفهم الظاهرة قبل الحكم عليها، والبحث عن حلول تجعل الاقتصاد غير الرسمي أكثر تنظيمًا وعدالة.
أتشرف بأن أرفع إلى فخامتكم وإلى معالي وزير الشباب والرياضة نداءً يحمل في مضمونه مطلب آلاف الأسر من أعضاء نادي الشيخ زايد وأبناء المدينة، ليس دفاعًا عن أشخاص أو مجالس إدارات، وإنما دفاعًا عن صرح رياضي يمثل المتنفس الوحيد لمدينة كاملة، وعن مشروع طال انتظاره ليكون مساحة لصناعة الشباب وبناء الإنسان. لقد تشرفت خلال فترة رئاستي لمجلس إدارة نادي الشيخ زايد بخدمة هذا الكيان، والعمل مع أبناء النادي ومجالس الإدارات المتعاقبة من أجل تحقيق حلم طال انتظاره، وهو توفير مساحة تليق بأبناء مدينة الشيخ زايد التي أصبحت من أكبر المدن العمرانية وأكثرها احتياجًا إلى منشآت رياضية واجتماعية تستوعب شبابها وأطفالها. فالنادي الحالي، رغم ما تحقق به من إنجازات، لا تتجاوز مساحته 8 أفدنة، وهي مساحة لم تعد تتناسب مع الأعداد المتزايدة للأعضاء، ولا مع الطموحات الكبيرة لمدينة تضم آلاف الأسر والشباب والبراعم، كما أن طبيعة تصميم النادي ووجود الملعب القانوني بداخله جعلت فرص التوسع وإضافة منشآت جديدة أمرًا بالغ الصعوبة. ومن هنا جاءت أهمية أرض امتداد النادي، التي لم تكن مجرد قطعة أرض، بل كانت مشروع مستقبل. فقد تم العمل عليها لسنوات طويلة، وإنجاز العديد من الإجراءات الرسمية، وإنشاء البنية الأساسية بها من ملاعب وأسوار وبوابات وشبكات مياه وكهرباء وصرف وزراعة، حتى أصبحت واقعًا قائمًا استفاد منه أعضاء النادي بالفعل، وأقيمت عليها العديد من التدريبات والبطولات والأنشطة الرياضية. كما تم وضع تصور استثماري لهذه الأرض بما يتوافق مع قانون الرياضة، من خلال استغلال الأسوار وإقامة مشروعات استثمارية توفر موارد مالية للنادي، وتم بالفعل اتخاذ خطوات جادة بالتنسيق مع الجهات المعنية لتنفيذ مشروع يخدم النادي وأعضاءه، ويجعله قادرًا على تطوير منشآته دون تحميل الدولة أي أعباء. فخامة الرئيس.. إن ما يثير القلق لدى أعضاء النادي وأبناء المدينة هو ما تردد خلال الفترة الأخيرة من أنباء حول إمكانية سحب أرض الامتداد أو إعادة تخصيصها لجهة أخرى، وهو أمر إن حدث سيمثل صدمة كبيرة لكل من شارك في هذا المشروع، وسيهدر سنوات من الجهد والعمل والإنفاق على منشآت أصبحت قائمة بالفعل وتخدم المواطنين. ونحن على ثقة كاملة في حرص الدولة المصرية بقيادتكم على حماية مقدراتها، ودعم الرياضة، ورعاية الشباب، وعدم السماح بضياع أي مشروع يخدم المواطنين ويحقق أهداف الدولة في بناء الإنسان. كما أتوجه إلى الكابتن جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة، بما عرف عنه من اهتمام بالملفات الرياضية، بضرورة التدخل ودراسة هذا الملف بعناية، والعمل على استكمال الإجراءات الخاصة بأرض الامتداد، والحفاظ عليها لصالح نادي الشيخ زايد وأعضائه، باعتبارها حقًا لأجيال قادمة من أبناء المدينة. رسالتي اليوم ليست مرتبطة بانتخابات أو منافسة داخل النادي، فأنا أتحدث بصفتي أحد أبناء هذا الكيان الذي خدمته، وعضوًا حريصًا على مستقبله، وأضع أمام القيادة السياسية قضية تمس آلاف الأطفال والشباب الذين يحتاجون إلى ملاعب ومساحات لممارسة الرياضة، في وقت أصبحت فيه المدينة بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى متنفس رياضي حقيقي. فخامة الرئيس.. نثق أن عدالتكم واهتمامكم بالرياضة والشباب سيكونان سببًا في إنهاء هذه الأزمة، وإعادة الطمأنينة إلى قلوب أعضاء نادي الشيخ زايد، واستكمال حلم أصبح قريبًا من التحقق. حفظ الله مصر، وحفظ قيادتها، ووفقكم لما فيه خير الوطن والمواطنين. الكابتن/ فكري الهواري رئيس نادي الشيخ زايد الأسبق
كتب: ياسر نور أكد نقيب الإعلاميين الدكتور طارق سعده أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يولي الإعلام المصري اهتمامًا ودعمًا كبيرين، انطلاقًا من إيمان القيادة السياسية بدور الإعلام في بناء الوعي الوطني، وحماية الأمن القومي، ودعم مسيرة التنمية وبناء الجمهورية الجديدة. جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها الدكتور طارق سعده ضمن البرنامج التدريبي لمرشحي شغل منصب نائب رئيس جامعة، والذي ينظمه معهد إعداد القادة بحلوان لتأهيل القيادات الجامعية، بحضور الأستاذ الدكتور كريم همام، مستشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي للأنشطة الطلابية ومدير المعهد. واستهل نقيب الإعلاميين كلمته بتوجيه الشكر إلى الدكتور عبد العزيز قنصوه، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، تقديرًا لجهوده في دعم برامج إعداد القيادات الجامعية وتطوير منظومة التدريب. الإعلام شريك في نجاح المؤسسات وخلال المحاضرة، استعرض طارق سعده ملامح المشهد الإعلامي العالمي والتحولات المتسارعة التي فرضتها الثورة الرقمية، كما تناول واقع المنظومة الإعلامية المصرية، موضحًا أدوار المؤسسات المنظمة للإعلام، وفي مقدمتها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، إلى جانب الدور المهني لكل من نقابة الإعلاميين ونقابة الصحفيين. وأكد أن المسؤول الناجح لا يكتفي بتحقيق الإنجازات، بل يجب أن يمتلك وعيًا إعلاميًا يساعده على إدارة التواصل مع وسائل الإعلام، وتقديم المعلومات للرأي العام بدقة وشفافية، بما يعزز الثقة بين المؤسسات والمواطنين. وأضاف أن الإعلام أصبح الواجهة الحقيقية للمؤسسات، وأن القدرة على تسويق الإنجازات وإدارة الرسائل الإعلامية باحترافية تمثل عنصرًا أساسيًا في بناء الصورة الذهنية الإيجابية لأي مؤسسة. الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي وأشار نقيب الإعلاميين إلى أن الإعلام الرقمي بات الأكثر تأثيرًا وانتشارًا، ما يفرض على مؤسسات الدولة تطوير منصاتها الإلكترونية وإدارتها وفق أحدث أساليب صناعة المحتوى، مع سرعة التعامل مع الشائعات والأزمات الإعلامية من خلال الالتزام بالمصداقية والشفافية. كما دعا الجامعات المصرية إلى توسيع الاستفادة من تقنيات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، عبر تعزيز التعاون بين كليات الإعلام والحاسبات والمعلومات والهندسة، وتنفيذ مشروعات تخرج مشتركة تقدم حلولًا مبتكرة تخدم المجتمع وتواكب متطلبات سوق العمل. إشادة بدعم الرئيس للإعلام وفي ختام المحاضرة، أعرب الدكتور طارق سعده عن تقديره للدعم الذي يقدمه الرئيس عبد الفتاح السيسي للإعلام المصري، مؤكدًا أن هذا الاهتمام يعكس قناعة الدولة بأهمية الإعلام في بناء الإنسان المصري، وترسيخ الوعي الوطني، وتطوير المؤسسات الإعلامية لتكون أكثر قدرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا. وعقب المحاضرة، دار حوار مفتوح بين نقيب الإعلاميين ومرشحي شغل منصب نائب رئيس جامعة، تناول آليات التعامل مع وسائل الإعلام وإدارة الرسائل الإعلامية داخل المؤسسات الجامعية، قبل أن يختتم اليوم بجولة داخل معهد إعداد القادة للاطلاع على أعمال التطوير والتحديث، والتقاط صورة تذكارية مع قيادات المعهد والمشاركين في البرنامج التدريبي.
كتب :ياسر نور أكد نقيب الإعلاميين أن قرار منع ظهور الإعلامي إيهاب قاسم على الفضائيات لم يصدر كإجراء احترازي لحين انتهاء التحقيقات، وإنما جاء انطلاقًا من قناعة بفداحة المخالفة المنسوبة إليه. وأوضح النقيب، في تصريحات خاصة لـيونيو نيوز ردًا على سؤال حول طبيعة القرار، أن النقابة رأت أن الواقعة تستوجب اتخاذ هذا الإجراء، مشددًا على أن الأمر لا يتعلق بمجرد إجراء مؤقت لحين انتهاء التحقيق. وأضاف أن إيهاب قاسم، بحسب رؤية النقابة، خالف ميثاق الشرف الإعلامي، كما ساهم في نشر الشائعات وتضليل الرأي العام، من خلال ترك الصحفي الإسرائيلي يطرح ما وصفه بـ"المغالطات والأكاذيب المنافية للحقيقة والواقع" دون مواجهتها أو تفنيدها خلال الحوار. وأشار نقيب الإعلاميين إلى أن النقابة تتعامل مع الواقعة في إطار مسؤوليتها عن حماية المعايير المهنية والالتزام بميثاق الشرف الإعلامي، مؤكدًا أن الإجراءات المتخذة تأتي انطلاقًا من الحفاظ على الضوابط المهنية المنظمة للعمل الإعلامي.
لم يعد المواطن المصري يتساءل عن موعد الزيادة الجديدة، بل أصبح يتساءل إن كان هناك شيء لم تطله الزيادة بعد. فمع كل شهر جديد، أو كل قرار اقتصادي، أو كل تعديل في الأسعار، يشعر المواطن بأن يده تسبق راتبه إلى جيبه، وأن دخله أصبح مجرد رقم يفقد جزءًا من قيمته قبل أن يصل إليه. قد يتفهم المواطن أن الدولة تواجه ظروفًا اقتصادية معقدة، وأن العالم لم يعد كما كان قبل سنوات، وأن الحروب والأزمات العالمية تركت آثارًا على الجميع، لكن ما يصعب عليه فهمه هو أن يكون هو الطرف الأكثر تحملًا للتكلفة في كل مرة، بينما ينتظر سنوات طويلة حتى يلمس نتائج الإصلاح على حياته اليومية. أصبحت العلاقة بين المواطن والقرارات الاقتصادية علاقة قائمة على الترقب والقلق، فما إن تعلن الحكومة مراجعة أسعار الوقود، حتى تبدأ الأسواق في رفع أسعار كل شيء، حتى السلع التي لا ترتبط مباشرة بالنقل أو الطاقة، وما إن ترتفع تكلفة خدمة واحدة، حتى تتحرك عشرات الخدمات الأخرى بصورة تلقائية، فيتحول القرار الاقتصادي إلى موجة متتالية من الغلاء تمتد إلى كل بيت. المواطن البسيط لا يقرأ تقارير المؤسسات الاقتصادية، ولا يهتم كثيرًا بمعدلات النمو أو الاحتياطي النقدي أو التصنيفات الائتمانية، لأنه يقيس نجاح الاقتصاد بطريقة مختلفة تمامًا، يسأل نفسه: هل أصبح بإمكاني شراء احتياجات أسرتي بسهولة؟ هل أستطيع تعليم أبنائي دون أن أستدين؟ هل أذهب إلى الطبيب دون أن أقلق من تكلفة العلاج؟ هل أستطيع أن أوفر جزءًا من دخلي للمستقبل؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن كل الأرقام الإيجابية بالنسبة له تصبح بعيدة عن واقعه. المؤلم أن المواطن لم يعد يشعر بضغط الزيادات فقط، بل أصبح يعيش حالة من عدم اليقين، فهو لا يعرف ما إذا كانت الأسعار الحالية هي النهاية أم مجرد محطة تسبق زيادات أخرى، وهذا الغموض يدفع الأسر إلى تقليص الإنفاق، وتأجيل قرارات مهمة مثل شراء منزل أو الزواج أو حتى إنجاب طفل جديد، لأن المستقبل أصبح أكثر ضبابية من أي وقت مضى. وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الدولة تحتاج إلى موارد لتمويل مشروعاتها وسداد التزاماتها وتحسين خدماتها، لكن يبقى السؤال المشروع: هل أصبح جيب المواطن هو المصدر الأسهل والأسرع دائمًا؟ وهل استنفدت الدولة كل البدائل الممكنة قبل أن تلجأ إلى فرض أعباء جديدة؟ هناك فرق كبير بين إصلاح اقتصادي يعتمد على زيادة الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وتوسيع الصناعة، وتعظيم الصادرات، وبين إصلاح يعتمد بصورة أساسية على رفع الرسوم والأسعار، الأول يصنع ثروة جديدة، أما الثاني فيعيد توزيع أعباء قائمة، وغالبًا ما يكون المواطن هو الحلقة الأضعف فيها. الطبقة المتوسطة تحديدًا أصبحت تدفع الثمن الأكبر، فهي لا تحصل على معظم أشكال الدعم، وفي الوقت نفسه لا تمتلك دخولًا مرتفعة تمكنها من امتصاص موجات الغلاء المتكررة، هذه الطبقة التي كانت تقود الاستهلاك والاستثمار والتعليم أصبحت اليوم منشغلة فقط بالحفاظ على مستوى معيشة مقبول، وهو ما ينعكس على الاقتصاد كله، لأن تراجع قدرتها الشرائية يعني تباطؤ الأسواق وتراجع الطلب. أما أصحاب المشروعات الصغيرة، فقد أصبحوا يواجهون معركة يومية للبقاء، تكلفة الكهرباء، والنقل، والخامات، والإيجارات، والأجور، كلها ترتفع بوتيرة متسارعة، وفي النهاية يضطر صاحب المشروع إلى رفع الأسعار أو تقليل العمالة أو إغلاق مشروعه بالكامل، وهنا لا يخسر هو وحده، بل يخسر الاقتصاد فرصة إنتاج وفرصة عمل ومصدر دخل جديد. ولعل أخطر ما في الأمر أن المواطن بدأ يفقد ثقته في أن الزيادات مؤقتة، فكلما اعتاد على سعر، فوجئ بسعر أعلى، وكلما أعاد ترتيب ميزانيته، جاءت زيادة جديدة تعيد الحسابات من الصفر، وأصبح السؤال الذي يتردد داخل كل منزل: إلى متى سنظل نعيد ترتيب حياتنا وفقًا لقرارات لا تتوقف؟ الإصلاح الاقتصادي لا ينجح عندما تتحسن المؤشرات فقط، بل عندما يشعر المواطن أن تضحياته بدأت تؤتي ثمارها، عندما يرى مدرسة حكومية تقدم تعليمًا أفضل، ومستشفى حكومي يقدم خدمة تليق بالإنسان، ووسائل نقل أكثر كفاءة، وفرص عمل حقيقية، واستقرارًا في الأسعار يمنحه القدرة على التخطيط للمستقبل. كما أن العدالة الاقتصادية لا تعني أن يتحمل الجميع العبء نفسه، بل أن يتحمل كل طرف ما يتناسب مع قدرته، فالمواطن الذي يحصل على دخل محدود لا يستطيع أن يواجه الضغوط نفسها التي يستطيعها صاحب الثروة أو المستثمر الكبير، ولذلك فإن أي إصلاح اقتصادي يحتاج إلى توازن دقيق بين احتياجات الدولة وقدرة المواطنين على الاحتمال. وربما آن الأوان لأن تتحول فلسفة إدارة الاقتصاد من البحث عن الإيرادات السريعة إلى صناعة موارد مستدامة، فكل مصنع جديد يقلل الحاجة إلى الاستيراد، وكل مشروع إنتاجي يخلق وظائف جديدة، وكل استثمار ناجح يزيد حصيلة الضرائب بصورة طبيعية، دون الحاجة إلى فرض أعباء إضافية على الناس. المواطن لا يطلب المستحيل، ولا يرفض الإصلاح من حيث المبدأ، لكنه يريد أن يشعر بأنه شريك في هذا الإصلاح، لا مجرد ممول له، يريد أن يرى نهاية واضحة للطريق، وأن يسمع خطابًا اقتصاديًا يشرح له متى تبدأ مرحلة جني الثمار، لا أن يبقى الحديث دائمًا عن مرحلة التحمل فقط. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة الملايين، ليس اعتراضًا على فكرة الإصلاح، وإنما بحثًا عن الأمل: متى يأتي اليوم الذي تتوقف فيه الحكومة عن اعتبار جيب المواطن هو الحل الأسرع لكل أزمة مالية؟ ومتى يصبح تحسين حياة الناس هو المؤشر الأول لنجاح أي سياسة اقتصادية، وليس مجرد ارتفاع الأرقام في التقارير؟ لأن الدول لا تُقاس فقط بحجم ما تجمعه من الإيرادات، بل بقدرتها على أن تجعل مواطنيها يشعرون بالأمان الاقتصادي، وأن تمنحهم يقينًا بأن الغد سيكون أقل كلفة وأكثر استقرارًا من اليوم.
رغم التوسع الكبير في مشروعات التحول الرقمي وتطوير الجهاز الإداري للدولة، لا تزال عبارة «تعالى بكرة» حاضرة في عدد من المصالح الحكومية، لتختصر معاناة يواجهها مواطنون أثناء إنهاء إجراءاتهم اليومية، وبين جهود الدولة لتبسيط الخدمات، وشكاوى المواطنين من بطء بعض الإجراءات، يبقى السؤال مطروحًا: هل اقتربت مصر من إنهاء أزمة الروتين الحكومي؟ خلال السنوات الأخيرة، وضعت الدولة تطوير الجهاز الإداري ضمن أولوياتها، فتم إطلاق العديد من الخدمات الإلكترونية، وإنشاء مراكز تكنولوجية لخدمة المواطنين، والتوسع في ميكنة الإجراءات داخل الوزارات والهيئات الحكومية، بهدف تقليل الاعتماد على الأوراق، وتقصير زمن الحصول على الخدمة، والحد من الاحتكاك المباشر بين المواطن والموظف. ورغم هذه الخطوات، يرى مواطنون أن بعض الجهات لا تزال تعمل بالأسلوب التقليدي، حيث تستغرق بعض الخدمات وقتًا أطول من المتوقع، بسبب تعدد الإجراءات، أو الحاجة إلى مراجعات متكررة، أو الانتظار لحين توقيع مسؤول، وهو ما يؤدي إلى تكرار زيارة المواطن للمصلحة الحكومية أكثر من مرة. ويؤكد متخصصون في الإدارة العامة أن الروتين لا يرتبط دائمًا بالقوانين، وإنما بطريقة تطبيقها، ففي كثير من الأحيان، تكون الإجراءات القانونية واضحة، لكن طول دورة العمل، وكثرة المراجعات الداخلية، وتعدد التوقيعات المطلوبة، تؤدي إلى تأخير إنجاز الخدمة، حتى في الحالات التي لا تستدعي ذلك. كما يشير خبراء إلى أن نجاح التحول الرقمي لا يعتمد فقط على توفير أجهزة حديثة أو برامج إلكترونية، بل يحتاج أيضًا إلى إعادة هندسة الإجراءات نفسها، بحيث يتم اختصار الخطوات غير الضرورية، وربط قواعد البيانات بين الجهات المختلفة، حتى لا يضطر المواطن إلى تقديم مستندات تمتلكها الدولة بالفعل. ومن أبرز التحديات التي تواجه المواطنين، اختلاف مستوى الخدمات من جهة إلى أخرى، فبينما نجحت بعض المصالح في تقليل زمن إنجاز المعاملات، لا تزال جهات أخرى تعتمد على إجراءات تستغرق وقتًا طويلًا، وهو ما يخلق تفاوتًا في مستوى الخدمة الحكومية. ويؤكد متابعون أن الموظف الحكومي ليس وحده المسؤول عن هذه المشكلة، إذ يعمل كثير من الموظفين تحت ضغط كبير، ويواجهون كثافة في أعداد المترددين، أو نقصًا في الكوادر، أو تعليمات إدارية معقدة، وهو ما ينعكس في النهاية على جودة الخدمة المقدمة للمواطن. في المقابل، يرى مواطنون أن المعيار الحقيقي لنجاح أي تطوير إداري لا يتمثل في عدد الخدمات الإلكترونية أو حجم الاستثمارات في البنية التكنولوجية، وإنما في شعور المواطن بأن إنهاء معاملته أصبح أسرع وأسهل، وأنه لم يعد مضطرًا للعودة أكثر من مرة للحصول على الخدمة نفسها. ويرى خبراء الإدارة أن استمرار تطوير المراكز التكنولوجية، والتوسع في الخدمات الرقمية، وتدريب الموظفين، وربط قواعد البيانات الحكومية، وتفعيل منظومة تقييم الأداء وفقًا لسرعة إنجاز الخدمات، تمثل عناصر أساسية للحد من الروتين وتحسين كفاءة الجهاز الإداري. وتؤكد الحكومة في مناسبات مختلفة استمرار العمل على تطوير الخدمات الحكومية وتوسيع نطاق التحول الرقمي، باعتباره أحد محاور الإصلاح الإداري، بما يسهم في تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، وتبسيط الإجراءات، وتقليل زمن الحصول على الخدمة. ويبقى إنهاء معاناة المواطن مع الروتين هدفًا يتطلب استمرار تطوير البنية التكنولوجية، إلى جانب تحديث آليات العمل داخل المؤسسات الحكومية، حتى تصبح سرعة الإنجاز وجودة الخدمة هي المعيار الأساسي، وتتحول عبارة «تم إنجاز طلبك» إلى المشهد المعتاد، بدلًا من الجملة التي ارتبطت طويلًا بمعاناة المواطنين: «تعالى بكرة».