يونيو نيوز
رئيس التحرير
محمود أبو السعود

نصائح طبية

منبه الخلايا الخفي: كيف يتحول "الكورتيزول" من درع لحمايتنا إلى سم يُدمر أجسادنا؟

في قلب نظامنا البيولوجي، يقبع هرمون مذهل صُمم خصيصًا ليكون درعنا الأول في مواجهة الأخطار؛ إنه "الكورتيزول"، المعروف شعبياً باسم "هرمون التوتر". في العصور البدائية، كان هذا الهرمون يفرز بجرعات دقيقة لإنقاذ الإنسان من الحيوانات المفترسة عبر تفعيل آلية "الكر أو الفر". أما اليوم، وفي ظل ضغوط الحياة العصرية المستمرة والركض اللانهائي وراء أعباء العمل والدراسة، أصبح هذا المنبه الخلوي يعمل دون توقف. هذا التدفق المزمن والمستمر يحول الكورتيزول من آلية حماية عبقرية إلى سم بطيء يعيد تشكيل أجسادنا وصحتنا النفسية، ليتصدر قائمة مسببات الأزمات الصحية الصامتة في عصرنا الحالي. كيمياء التوتر وكيف يخدع الكورتيزول خلايانا يُفرز هرمون الكورتيزول من الغدتين الكظريتين الموجودتين فوق الكليتين، بإشارة مباشرة من الدماغ عند الشعور بالضغط العصبي. في حالته الطبيعية، يقوم الكورتيزول بوظائف حيوية مذهلة؛ فهو ينظم ضغط الدم، ويتحكم في مستويات السكر، ويقلل من الالتهابات. ولكن، عندما نعيش في حالة قلق دائم، يقع الجسم في فخ التضليل البيولوجي؛ حيث يعتقد الدماغ أننا في معركة مستمرة لا تنتهي. بناءً على هذا الوهم، تظل مستويات الكورتيزول مرتفعة في الدم، مما يجبر الجسم على تعطيل أو إبطاء وظائف حيوية أخرى "غير ضرورية للمعركة" في نظره، مثل الهضم، والتجدد الخلوي، وعمل الجهاز المناعي، مما يفتح الباب أمام انهيار دفاعات الجسم الطبية. الآثار التدميرية لارتفاع هرمون التوتر تحليليًا، يمتد الأثر السلبي لارتفاع الكورتيزول المزمن ليضرب كافة أجهزة الجسم عبر محاور طبية متعددة: 1. متلازمة "كرش التوتر" ومقاومة الإنسولين يتحكم الكورتيزول بشكل مباشر في طريقة توزيع الدهون. عند ارتفاعه، يقوم بإعادة توجيه الدهون لتتراكم في منطقة البطن تحديداً (الدهون الحشوية)، وهي أخطر أنواع الدهون طبياً. كما أنه يرفع مستويات الجلوكوز في الدم لتوفير طاقة سريعة، مما يجبر البنكرياس على إفراز المزيد من الإنسولين، وينتهي الأمر بالإصابة بمقاومة الإنسولين وسمنة البطن المستعصية. 2. إضعاف الجهاز المناعي والالتهابات المزمنة بما أن الكورتيزول يعمل كمضاد طبيعي للالتهاب في الجرعات القصيرة، فإن إفرازه المستمر يؤدي إلى إصابة الخلايا المناعية بـ "المقاومة". تفقد الخلايا قدرتها على الاستجابة للهرمون، مما يؤدي إلى نشوب التهابات مزمنة خفية في الجسم، تجعل الإنسان عرضة للإصابة المتكررة بنزلات البرد، وتأخر التئام الجروح، وتفاقم أمراض المناعة الذاتية. 3. تدمير خلايا الذاكرة والاكتئاب السريري طبيًا، يمتلك الكورتيزول القدرة على عبور الحاجز الدموي الدماغي. الارتفاع المزمن له يهاجم منطقة "الحصين" (Hippocampus) في الدماغ، وهي المركز المسؤول عن الذاكرة والتعلم، مما يسبب ضمورًا تدريجيًا في خلاياها. هذا يفسر شعور الأشخاص المصابين بالتوتر المستمر بـ "الضبابية الذهنية" وضعف الذاكرة، فضلاً عن تدمير ناقلات السيروتونين والدوبامين، مما يمهد للاكتئاب الحاد. الضريبة الجسدية والنفسية على المدى الطويل تتراكم أضرار هذا القاتل الصامت لتظهر في صورة أعراض يومية يظنها البعض مجرد إرهاق عابر، لكنها تراجع حاد في جودة الحياة: اضطرابات النوم الحادة: يفسد الكورتيزول الإيقاع الحيوي للجسم؛ حيث يرتفع في الأوقات التي يفترض أن ينخفض فيها (مثل الليل)، مما يسبب الأرق والاستيقاظ المتكرر. متلازمة القولون العصبي: يتسبب في انقباض عضلات الجهاز الهضمي واختلال التوازن البكتيري في الأمعاء، مما يؤدي إلى انتفاخات ومشاكل هضمية مزمنة مرتبطة بالحالة النفسية. خطة طبية لخفض الهرمون في دقيقتين في عيادات الطب النفسي والجسدي، لا يتطلب خفض الكورتيزول أدوية معقدة في المراحل الأولى، بل يعتمد على "مغالطة الخداع العكسي" للدماغ. مثال واقعي: (سارة) طبيبة تعاني من تسارع ضربات القلب، تساقط الشعر، وثبات الوزن نتيجة ضغط العمل المستمر. التطبيق العملي للحل: تعلمت سارة تقنية "التنفس الصندوقي" (Box Breathing) التي يستخدمها قناصة الجيش الأمريكي لخفض التوتر فورًا. تعتمد التقنية على الشهيق لأربع ثوانٍ، كتم النفس لأربع ثوانٍ، الزفير في أربع ثوانٍ، ثم كتم النفس لأربع ثوانٍ. تكرار هذه العملية لمدة دقيقتين فقط يرسل إشارة بيولوجية فورية عبر العصب الحائر إلى الدماغ تفيد بأن "الخطر قد زال"، مما يجبر الغدة الكظرية على خفض إنتاج الكورتيزول وضخ هرمونات الاسترخاء بدلاً منه. الطب الشخصي وقياس التوتر اللحظي تتجه التوقعات الطبية في السنوات القادمة نحو دمج تكنولوجيا الرعاية الصحية الذكية بالطب الوقائي. سنشهد انتشار ساعات ذكية قادرة على قياس مستويات الكورتيزول في الجسم لحظيًا عبر تحليل جزيئات العرق الصغرى بدقة فائقة. بمجرد رصد ارتفاع في الهرمون، ستقوم الساعة بتنبيه المستخدم فورًا وتقديم تمارين تنفس مخصصة، مما يمنع التوتر من التحول إلى حالة مزمنة ويقلل من معدلات الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية المرتبطة بالضغط العصبي. استعد هدوءك لتنقذ حياتك إن الكورتيزول ليس عدوًا لنا، بل هو حارس مخلص ضل طريقه بسبب إيقاع حياتنا المتسارع. حماية جسدك وعقلك من هذا الغزو الهرموني تبدأ بالوعي وإدراك أن لا شيء في هذه الحياة يستحق تدمير صحتك. خذ خطوة للوراء، امنح جسدك حق الاسترخاء، نم ليلًا، وتنفس بعمق؛ فاستعادتك لهدوئك الداخلي ليست رفاهية، بل هي قرار طبي حاسم لإنقاذ حياتك والحفاظ على شباب خلاياك.

ملك الرفاعي يوليو ١٩, ٢٠٢٦ 0
عدو خفي في طبقك اليومي: كيف تدمر الأطعمة فائقة المعالجة خلاياك دون أن تدري؟

في عالم يتحرك بسرعة الصاروخ، أصبحت الأرقام والوقت هما المتحكمين في أسلوب حياتنا، وكان الضحية الأكبر لهذا التسارع هو نظامنا الغذائي. تحولت المطابخ المنزلية تدريجيًا إلى مخازن للمأكولات المعلبة، والوجبات الجاهزة، والأطعمة التي لا تتطلب سوى دقائق معدودة في الميكروويف لتصبح جاهزة للأكل. هذه الأطعمة، التي تُعرف علميًا بـ "الأطعمة فائقة المعالجة" (Ultra-Processed Foods)، ليست مجرد خيارات غذائية سريعة، بل هي عبارة عن مركبات كيميائية مصنعة بعناية لتخدع حواسك وتمنحك شعورًا زائفًا بالشبع واللذة، بينما تقوم في الخفاء بشن حرب بيولوجية مدمرة على خلايا جسدك وصحتك النفسية. ما هي الأطعمة فائقة المعالجة؟ طبيًا، لا تُصنف الأطعمة فائقة المعالجة كأغذية طبيعية جرى تعديلها، بل هي منتجات صُنعت بالكامل في المختبرات والمصانع باستخدام مواد مستخلصة من الأغذية (مثل الدهون المهدرجة، النشا المعدل، والسكريات المصنعة)، مع إضافة سيل من المواد الكيميائية، والمواد الحافظة، ومحسنات النكهة، والألوان الصناعية. تتميز هذه الأطعمة بأنها مجردة تمامًا من الألياف والفيتامينات والمعادن الطبيعية، ومصممة لتكون مدة صلاحيتها ممتدة لشهور أو سنوات. يدخل في هذه الفئة المشروبات الغازية، رقائق البطاطس، المقرمشات، الحبوب المغلفة بالسكر، اللحوم المصنعة (كاللانشون والسجق)، والوجبات المجمدة الجاهزة للقلي. كيف تفتك السموم المصنعة بأعضاء الجسد؟ إن تناول هذه الأطعمة بانتظام يترتب عليه تدمير ممنهج للوظائف الحيوية في الجسم عبر محاور تحليلية مرعبة: 1. تدمير الميكروبيوم (بكتيريا الأمعاء النافعة) تحتوي الأمعاء البشرية على مليارات البكتيريا النافعة المسؤولة عن المناعة والهضم والصحة النفسية. المواد الحافظة والمستحلبات الكيميائية الموجودة في الأطعمة فائقة المعالجة تعمل كمضادات حيوية تدمر هذه البيئة الحيوية، مما يؤدي إلى حدوث التهابات مزمنة في جدار الأمعاء، تظهر أعراضها على شكل قيلون عصبي، ضعف مناعة حاد، وحساسية تجاه الأطعمة. 2. مقاومة الإنسولين وفخ السمنة المفرطة تحتوي هذه المنتجات على نسب فلكية من سكر الفركتوز الصناعي والزيوت المهدرجة. عند تناولها، يرتفع سكر الدم بشكل جنوني، مما يجبر البنكرياس على ضخ كميات هائلة من الإنسولين. تكرار هذه العملية يؤدي إلى إصابة الخلايا بـ "مقاومة الإنسولين"، وهو الممهد الرئيسي للإصابة بمرض السكري من النوع الثاني، وتراكم الدهون العنيدة حول الأحشاء والبطن. 3. إدمان الدماغ والخلل العصبي تصمم شركات الأغذية هذه المنتجات بناءً على مفهوم "نقطة السعادة القصوى" (Bliss Point)، وهي تركيبة تجمع بين الملح والسكر والدهون بنسب تثير مراكز اللذة في الدماغ وتدفع لإفراز الدوبامين بشكل حاد. هذا التلاعب الكيميائي يجعل الدماغ يدمن هذه الأطعمة، فيفقد الإنسان قدرته على الشعور بالشبع الطبيعي، ويصاب باضطرابات المزاج والقلق المستمر نتيجة تذبذب مستويات السكر. الضريبة التراكمية على المدى الطويل الخطر الأكبر للأطعمة فائقة المعالجة يكمن في تأثيراتها التراكمية؛ فالأضرار لا تظهر بين عشية وضحاها، بل تتسلل على مدار سنوات: ارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة: تربط الدراسات الطبية الحديثة بشكل مباشر بين استهلاك هذه الأطعمة وارتفاع نسب الإصابة بأمراض القلب، انسداد الشرايين، والسكتات الدماغية. الشيخوخة المبكرة للخلايا: المواد الكيميائية تزيد من نسبة "الجذور الحرة" في الجسم، مما يسبب الإجهاد التأكسدي للخلايا، ويسرع من ظهور علامات الشيخوخة وتراجع الكفاءة العقلية والجسدية. كيف تقرأ الملصق الغذائي وتنقذ نفسك؟ حماية صحتك تبدأ من خطوة واحدة بسيطة داخل المتجر: التوقف عن النظر إلى الواجهة البراقة للمنتج، وقراءة قائمة المكونات في الخلف. مثال واقعي: علبة "كورن فليكس" أو حبوب إفطار مكتوب عليها من الأمام "غنية بالفيتامينات وتحتوي على الحبوب الكاملة" للإيحاء بأنها صحية. التطبيق العملي لكشف الخدعة: عند النظر إلى قائمة المكونات في الخلف، إذا وجدت أن السكر أو النشا المعدل أو الزيوت المهدرجة تقع ضمن المكونات الثلاثة الأولى، أو إذا احتوت القائمة على أكثر من 5 مكونات بأسماء كيميائية معقدة لا تستطيع نطقها (مثل مونو صوديوم جلوتاميت أو المواد الحافظة E)، فهذا دليل قاطع على أن المنتج فائق المعالجة ويجب إعادته إلى الرف فورًا واستبداله بخيارات طبيعية كالشوفان أو البيض. ثورة الغذاء العضوي والضرائب الصحية تُشير التوقعات في قطاع الصحة العامة إلى أن السنوات القادمة ستشهد تحولاً تشريعيًا صارمًا ضد هذه المنتجات. يتوقع خبراء الصحة أن تقوم الحكومات بفرض "ضريبة صحية" تصاعدية على الأطعمة فائقة المعالجة على غرار ضرائب التبغ والمشروبات الغازية، مع إلزام الشركات بوضع تحذيرات واضحة على العبوات تنبه المستهلك من مخاطرها. في المقابل، ستشهد أسواق الغذاء نموًا هائلاً في قطاعات الأغذية العضوية (Organic) والبدائل الطبيعية الكاملة التي تعيد للإنسان توازنه البيولوجي. العودة إلى الطبيعة هي طوق النجاة جسمك هو أثمن ما تملك، وهو مرآة لما تدخله فيه من طعام. إن التوقف التام الفوري عن تناول الأطعمة فائقة المعالجة قد يكون صعبًا في البداية بسبب حالة الإدمان البيولوجي التي تسببها، لكن التدريج هو المفتاح. استبدل العصائر المعلبة بالفاكهة الطازجة، واطهُ طعامك في المنزل باستخدام الزيوت الطبيعية كزيت الزيتون والزبدة الطبيعية، وابتعد عن كل ما صُنع في المصانع وغلّفته المواد البلاستيكية. عُد إلى الطبيعة، واجعل من غذائك دواءك، قبل أن يصبح دواؤك هو غذائك.

ملك الرفاعي يوليو ١٩, ٢٠٢٦ 0
أضرار-إدمان-الهواتف-الذكية-الصحة-النفسية
القاتل الصامت في عصر الشاشات: كيف تُعيد الهواتف الذكية تشكيل أدمغتنا وصحتنا النفسية؟

لم يعد الهاتف الذكي مجرد أداة للتواصل أو وسيلة لتسهيل تصريف الأعمال اليومية، بل تحول في غضون سنوات قليلة إلى ما يشبه "العضو الاصطناعي" الذي لا يمكننا العيش بدونه. في كل مكان ننظر إليه—في الحافلات، المقاهي، مكاتب العمل، وحتى غرف النوم المظلمة— تنعكس الأضواء الزرقاء على وجوه شاحبة تستمر في التمرير اللانهائي (Doomscrolling). ولكن، خلف هذه الشاشات البراقة وتطبيقات التواصل الاجتماعي الجذابة، تختبئ أزمة صحية صامتة بدأت تطفو على السطح بشكل مرعب، حيث تشير الدراسات الطبية الحديثة إلى أن إدمان الشاشات يعيد هيكلة الدماغ البشري حرفيًا، مسببًا أضرارًا نفسية وجسدية بالغة التعقيد. الدوبامين الرقمي: ماذا يحدث داخل أدمغتنا؟ لفهم التأثير العميق للهواتف الذكية، يجب أن ننظر إلى الكيمياء الحيوية لأدمغتنا. تعتمد تطبيقات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية في تصميمها على نظام مكافأة بيولوجي يُعرف باسم "حلقات الدوبامين". والدوبامين هو ناقل عصبي في الدماغ مسؤول عن الشعور باللذة والتحفيز. عندما تتلقى إعجابًا (Like) على صورة، أو إشعارًا جديدًا، يفرز الدماغ جرعة صغيرة من الدوبامين. هذا التدفق الفوري والمستمر للمكافآت العشوائية يجعل الدماغ في حالة ترقب دائم، مما يقلل تدريجيًا من قدرة الإنسان على التركيز في المهام العادية التي لا تمنح مكافآت فورية، مثل قراءة كتاب أو الاستماع إلى محاضرة. بمرور الوقت، تتراجع كفاءة خلايا الدماغ في التعامل مع المواقف الطبيعية، ويصاب الفرد بما يُعرف علميًا بـ "الإرهاق الرقمي". تحليل طبي: كيف يهدد التمرير اللانهائي صحتنا النفسية والجسدية؟ إن الآثار المترتبة على الاستخدام المفرط للشاشات لا تتوقف عند ضعف التركيز، بل تمتد لتضرب عمق الصحة النفسية والجسدية عبر محاور متعددة: 1. متلازمة "الفومو" (FOMO) والقلق المزمن خلق العالم الافتراضي حالة من الخوف المستمر من فوات الأشياء (Fear of Missing Out). يراقب المستخدمون حيوات الآخرين "المثالية" والمصطنعة عبر الشاشات، مما يولد شعورًا دائمًا بالدونية، وعدم الرضا عن الذات، الأمر الذي يمهد الطريق للإصابة بالاكتئاب السريري واضطرابات القلق الحاد، خاصة لدى المراهقين والشباب. 2. اضطرابات النوم وتدمير "الميلاتونين" الضوء الأزرق المنبعث من الهواتف الذكية يخدع الدماغ ويجعله يعتقد أننا ما زلنا في وضح النهار. هذا يثبط إنتاج هرمون "الميلاتونين" المسؤول عن تنظيم النوم. النتيجة هي أرق مزمن، ونوم متقطع، وحرمان الجسم من مرحلة النوم العميق الضرورية لإصلاح الخلايا وتجديد الطاقة النفسية. 3. العزلة الاجتماعية العميقة المفارقة الكبرى للهواتف الذكية هي أنها ربطت العالم ببعضه ولكنها فصلت الأفراد عن محيطهم المباشر. أصبحنا نعيش في "فقاعات رقمية" معزولة، مما أدى إلى تراجع المهارات الاجتماعية الواقعية، وزيادة الشعور بالوحدة الحقيقية رغم وجود آلاف الأصدقاء الافتراضيين. من القلق إلى الآلام الجسدية: التأثيرات التراكمية لا تقتصر الضريبة على الجانب النفسي فقط؛ فالجسد يدفع ثمنًا باهظًا أيضًا. طبيًا، برزت مصطلحات جديدة في السنوات الأخيرة مثل "عنق الهاتف المحمول" (Text Neck)، وهي حالة تنشأ نتيجة انحناء الرقبة المستمر للنظر إلى الشاشة، مما يضع ضغطًا يعادل 27 كيلوغرامًا على العمود الفقري العنقي. بالإضافة إلى ذلك، رصدت تقنيات طب العيون ارتفاعًا حادًا في حالات جفاف العين الحاد وقصر النظر الناجم عن التركيز المستمر في مسافات قريبة لفترات طويلة. أمثلة وواقع: قصص من عيادات الطب النفسي في عيادات الصحة النفسية اليوم، لم يعد إدمان الشاشات مجرد سلوك سيئ، بل تشخيصًا طبيًا يتطلب علاجًا وسلوكًا معرفيًا. تشير تقارير طبية إلى حالات لمراهقين يعانون من نوبات هلع حادة لمجرد انقطاع الاتصال بالإنترنت أو فقدان هواتفهم لبضع ساعات، وهي أعراض تشبه إلى حد كبير أعراض الانسحاب لدى مدمني المواد الكيميائية. وفي دراسة تطبيقية أجريت على مجموعات عمل تم منعهم من استخدام هواتفهم أثناء ساعات العمل إلا للضرورة القصوى، انخفضت مستويات التوتر المبلغ عنها بنسبة 35%، وارتفعت معدلات الإنتاجية والرضا الوظيفي بشكل ملحوظ، مما يثبت أن الابتعاد عن الشاشة يعيد التوازن العصبي والنفسي سريعًا. توقعات مستقبلية: هل ننقذ أنفسنا أم نغرق في الميتافيرس؟ مع التسارع الهائل في تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقات الواقع المعزز والميتافيرس، تتوقع الدراسات المستقبلية أن التحدي القادم لن يكون مجرد "إدمان هاتف"، بل سيكون "انفصالاً كاملاً عن الواقع الفيزيائي". يتوقع خبراء الصحة النفسية أن تشهد السنوات العشر القادمة اعترافًا رسميًا بأمراض نفسية جديدة مرتبطة بالعيش داخل العوالم الافتراضية. في المقابل، تشير التوقعات إلى نمو متصاعد في قطاع "سياحة التخلص من السموم الرقمية" (Digital Detox)، حيث سيبحث البشر عن مصحات ومنتجعات خالية تمامًا من التغطية اللاسلكية لاستعادة سلامهم النفسي المفقود. خلاصة: خذ خطوة للوراء واستعد حياتك إن الهواتف الذكية أدوات مذهلة غيرت وجه البشرية، لكن المشكلة تكمن في تحولنا من مستخدمين للمنصات إلى مستهلكين ومستَهدفين من قِبلها. حماية صحتك النفسية وعقلك لا تعني مقاطعة التكنولوجيا، بل تعني وضع حدود صارمة لها. ابدأ اليوم بخطوات بسيطة: اغلق الإشعارات غير الضرورية، اجعل غرفة نومك منطقة خالية من الشاشات، واستبدل التمرير العشوائي بنصف ساعة من المشي أو القراءة. تذكر دائمًا أن الحياة الحقيقية تحدث هنا، خارج إطار شاشتك الصغيرة.  

big admin يوليو ١٩, ٢٠٢٦ 0
المنشور الأكثر قراءة
"فكري الهواري يطلق صرخة من قلب نادي الشيخ زايد للرئيس السيسي: أنقذوا حلم 100 ألف مواطن قبل ضياع أرض الامتداد"

أتشرف بأن أرفع إلى فخامتكم وإلى معالي وزير الشباب والرياضة نداءً يحمل في مضمونه مطلب آلاف الأسر من أعضاء نادي الشيخ زايد وأبناء المدينة، ليس دفاعًا عن أشخاص أو مجالس إدارات، وإنما دفاعًا عن صرح رياضي يمثل المتنفس الوحيد لمدينة كاملة، وعن مشروع طال انتظاره ليكون مساحة لصناعة الشباب وبناء الإنسان. لقد تشرفت خلال فترة رئاستي لمجلس إدارة نادي الشيخ زايد بخدمة هذا الكيان، والعمل مع أبناء النادي ومجالس الإدارات المتعاقبة من أجل تحقيق حلم طال انتظاره، وهو توفير مساحة تليق بأبناء مدينة الشيخ زايد التي أصبحت من أكبر المدن العمرانية وأكثرها احتياجًا إلى منشآت رياضية واجتماعية تستوعب شبابها وأطفالها. فالنادي الحالي، رغم ما تحقق به من إنجازات، لا تتجاوز مساحته 8 أفدنة، وهي مساحة لم تعد تتناسب مع الأعداد المتزايدة للأعضاء، ولا مع الطموحات الكبيرة لمدينة تضم آلاف الأسر والشباب والبراعم، كما أن طبيعة تصميم النادي ووجود الملعب القانوني بداخله جعلت فرص التوسع وإضافة منشآت جديدة أمرًا بالغ الصعوبة. ومن هنا جاءت أهمية أرض امتداد النادي، التي لم تكن مجرد قطعة أرض، بل كانت مشروع مستقبل. فقد تم العمل عليها لسنوات طويلة، وإنجاز العديد من الإجراءات الرسمية، وإنشاء البنية الأساسية بها من ملاعب وأسوار وبوابات وشبكات مياه وكهرباء وصرف وزراعة، حتى أصبحت واقعًا قائمًا استفاد منه أعضاء النادي بالفعل، وأقيمت عليها العديد من التدريبات والبطولات والأنشطة الرياضية. كما تم وضع تصور استثماري لهذه الأرض بما يتوافق مع قانون الرياضة، من خلال استغلال الأسوار وإقامة مشروعات استثمارية توفر موارد مالية للنادي، وتم بالفعل اتخاذ خطوات جادة بالتنسيق مع الجهات المعنية لتنفيذ مشروع يخدم النادي وأعضاءه، ويجعله قادرًا على تطوير منشآته دون تحميل الدولة أي أعباء. فخامة الرئيس.. إن ما يثير القلق لدى أعضاء النادي وأبناء المدينة هو ما تردد خلال الفترة الأخيرة من أنباء حول إمكانية سحب أرض الامتداد أو إعادة تخصيصها لجهة أخرى، وهو أمر  إن حدث سيمثل صدمة كبيرة لكل من شارك في هذا المشروع، وسيهدر سنوات من الجهد والعمل والإنفاق على منشآت أصبحت قائمة بالفعل وتخدم المواطنين. ونحن على ثقة كاملة في حرص الدولة المصرية بقيادتكم على حماية مقدراتها، ودعم الرياضة، ورعاية الشباب، وعدم السماح بضياع أي مشروع يخدم المواطنين ويحقق أهداف الدولة في بناء الإنسان. كما أتوجه إلى الكابتن جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة، بما عرف عنه من اهتمام بالملفات الرياضية، بضرورة التدخل ودراسة هذا الملف بعناية، والعمل على استكمال الإجراءات الخاصة بأرض الامتداد، والحفاظ عليها لصالح نادي الشيخ زايد وأعضائه، باعتبارها حقًا لأجيال قادمة من أبناء المدينة. رسالتي اليوم ليست مرتبطة بانتخابات أو منافسة داخل النادي، فأنا أتحدث بصفتي أحد أبناء هذا الكيان الذي خدمته، وعضوًا حريصًا على مستقبله، وأضع أمام القيادة السياسية قضية تمس آلاف الأطفال والشباب الذين يحتاجون إلى ملاعب ومساحات لممارسة الرياضة، في وقت أصبحت فيه المدينة بحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى متنفس رياضي حقيقي. فخامة الرئيس.. نثق أن عدالتكم واهتمامكم بالرياضة والشباب سيكونان سببًا في إنهاء هذه الأزمة، وإعادة الطمأنينة إلى قلوب أعضاء نادي الشيخ زايد، واستكمال حلم أصبح قريبًا من التحقق. حفظ الله مصر، وحفظ قيادتها، ووفقكم لما فيه خير الوطن والمواطنين. الكابتن/ فكري الهواري رئيس نادي الشيخ زايد الأسبق

من يهاجم حسام حسن بسبب فلسطين.. ماذا يريد من الرياضة؟

  لم تعد كرة القدم في زمننا مجرد منافسة بين فريقين داخل الملعب، ولم يعد اللاعب أو المدرب مجرد اسم مرتبط بالأرقام والبطولات فقط، فمع اتساع تأثير الرياضة، أصبح نجوم الكرة شخصيات عامة تحمل رسائل تتجاوز حدود الملاعب، وأصبحت مواقفهم الإنسانية جزءًا من صورتهم في عيون الجماهير. ولهذا لم يكن غريبًا أن يتحول موقف بسيط في ظاهره، مثل رفع علم فلسطين، إلى نقاش واسع يتجاوز حدود الرياضة، فالمشهد الذي ظهر فيه حسام حسن وهو يعبر عن تضامنه مع فلسطين لم يكن بالنسبة لكثيرين مجرد لقطة عابرة بعد انتصار رياضي، بل رسالة إنسانية رأوا فيها تعبيرًا عن مشاعر الملايين الذين يتابعون ما يحدث في الأراضي الفلسطينية من معاناة وألم. حسام حسن، الذي صنع اسمه لاعبًا مقاتلًا داخل الملعب، اختار أن يظهر في لحظة احتفال بصورة مختلفة؛ لم يحتفل بالانتصار فقط، بل أراد أن يوجه الأنظار إلى قضية يرى أنها قضية إنسانية قبل أن تكون سياسية، لم يرفع صوته بالكراهية، ولم يوجه إساءة إلى أحد، وإنما اختار رمزًا يرى كثيرون أنه يعبر عن شعب يعيش ظروفًا صعبة، خاصة أن هذه القضية محفورة في وجدان شعب مصر ووطنه، ودائماً القضية الفلسطينية محور أساسي في المشهد المصري. وهنا تظهر قيمة الموقف؛ فالقادة الحقيقيون لا يُقاسون فقط بما يحققونه في الأوقات السهلة، وإنما بما يختارون التعبير عنه عندما تكون المواقف محل نقاش وجدل، وحسام حسن، بالنسبة لأنصاره، لم يبحث عن التصفيق أو الشعبية، بل عبّر عن قناعة راسخة لدى قطاع كبير من المصريين بأن القضية الفلسطينية جزء من الوجدان العربي والمصري. الغريب أن بعض الأصوات التي هاجمت حسام حسن رفعت شعار إبعاد السياسة عن الرياضة، وهو شعار يمكن احترامه إذا كان قاعدة ثابتة تطبق على الجميع، لكن التاريخ الرياضي يؤكد أن الملاعب العالمية كانت دائمًا مساحة للتعبير عن قضايا إنسانية كبرى؛ فقد وقف رياضيون كثيرون ضد العنصرية، ودافعوا عن حقوق الإنسان، وأعلنوا تضامنهم مع شعوب تعرضت للأزمات والحروب. فلماذا يصبح الأمر مختلفًا عندما يكون الحديث عن فلسطين؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه كثير من المتابعين، فالتعاطف مع الضحايا لا ينبغي أن يكون مرتبطًا بجنسية أو لون أو موقف سياسي، والوقوف مع المدنيين الذين يدفعون ثمن الصراعات لا يجب أن يتحول إلى سبب للهجوم على من يعبر عن تضامنه. وفي الجهة الأخرى، ظهر اسم ليونيل ميسي في قلب نقاش مختلف فالنجم الأرجنتيني الذي يحظى بشعبية هائلة في مصر والعالم العربي، والذي اعتاد الجمهور أن يراه رمزًا للموهبة والانضباط والنجاح، أصبح محل انتقادات من بعض الجماهير بسبب موقفه من الحرب على غزة. لم يكن سبب الانتقادات هو كرة القدم أو الأداء داخل الملعب، وإنما شعور بعض المشجعين بأن لاعبًا بحجم ميسي، يمتلك ملايين المتابعين حول العالم، كان ينتظر منه موقف أكثر وضوحًا تجاه معاناة المدنيين الفلسطينيين. بالنسبة لهؤلاء، فإن الشهرة العالمية ليست مجرد امتياز، وإنما مسؤولية، وأن الشخصيات المؤثرة يمكن أن يكون لصوتها أثر كبير في لفت الانتباه إلى القضايا الإنسانية. وفي المقابل، يرى آخرون أن ميسي يفضل الابتعاد عن المواقف السياسية، وأن الصمت لا يعني بالضرورة تأييد طرف على حساب آخر، كما انتشرت خلال الفترة الماضية صور ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي حاول البعض استخدامها للربط بين ميسي ودعم إسرائيل، إلا أن بعض هذه المواد لم يثبت صحتها من عدمه. لكن الجدل حول ميسي يكشف حقيقة مهمة؛ وهي أن الجماهير لم تعد تنظر إلى النجوم باعتبارهم أصحاب مهارات فقط، فالجمهور اليوم يريد أن يرى الإنسان خلف اللاعب، ويريد أن يعرف ماذا يفكر هذا النجم عندما تحدث أزمات كبرى تهز العالم. وهنا يبرز الفارق في نظرة البعض بين حسام حسن وميسي فالأول اختار التعبير بشكل مباشر عن موقف إنساني، ولذلك وجد إشادة من قطاع واسع رأى فيه شجاعة ووضوحًا، أما الثاني فاختار الصمت، وهو حق شخصي، لكن الصمت في زمن الأزمات قد يفسره البعض بطرق مختلفة. إن موقف حسام حسن لم يكن مجرد رفع علم، بل كان رسالة بأن الرياضي يمكن أن يكون له دور يتجاوز تسجيل الأهداف وتحقيق الانتصارات، فالمدرب أو اللاعب في النهاية إنسان، لديه مشاعر ورؤية تجاه ما يحدث حوله، ومن حقه أن يعبر عنها طالما لم يدعُ إلى الكراهية أو العنف. ولعل أهم ما في موقف حسام حسن أنه أعاد التأكيد على أن الرياضة ليست منفصلة عن نبض الشعوب، فالمنتخبات لا تمثل فقط ألوان القمصان، بل تحمل معها تاريخًا وثقافة ومشاعر الملايين، وعندما يعبر قائد رياضي عن موقف إنساني، فإنه في نظر مؤيديه لا يخرج عن دور الرياضة، بل يضيف إليها قيمة جديدة. قد يختلف البعض مع حسام حسن، وهذا حق طبيعي في أي مجتمع، لكن الاختلاف لا يجب أن يتحول إلى محاولة إسكات أو تخوين فالمجتمعات القوية هي التي تسمح بتعدد الآراء، وتحترم التعبير السلمي عن المواقف الإنسانية. وفي النهاية، ستبقى كرة القدم لعبة تجمع الملايين، لكنها أيضًا مرآة تعكس ما يشغل العالم،  فالأهداف تُسجل وتنتهي، والبطولات تُحسم ويأتي بعدها موسم جديد، لكن المواقف الإنسانية تظل عالقة في الذاكرة. ولهذا سيبقى موقف حسام حسن، بالنسبة لكثيرين، أكثر من مجرد لقطة في مباراة؛ سيبقى رسالة بأن الشهرة ليست فقط فرصة للظهور، بل مسؤولية لاستخدام الصوت عندما يحتاج الإنسان إلى من يتحدث باسمه.

متى تسحب الحكومة يدها من جيب المواطن؟

لم يعد المواطن المصري يتساءل عن موعد الزيادة الجديدة، بل أصبح يتساءل إن كان هناك شيء لم تطله الزيادة بعد. فمع كل شهر جديد، أو كل قرار اقتصادي، أو كل تعديل في الأسعار، يشعر المواطن بأن يده تسبق راتبه إلى جيبه، وأن دخله أصبح مجرد رقم يفقد جزءًا من قيمته قبل أن يصل إليه. قد يتفهم المواطن أن الدولة تواجه ظروفًا اقتصادية معقدة، وأن العالم لم يعد كما كان قبل سنوات، وأن الحروب والأزمات العالمية تركت آثارًا على الجميع، لكن ما يصعب عليه فهمه هو أن يكون هو الطرف الأكثر تحملًا للتكلفة في كل مرة، بينما ينتظر سنوات طويلة حتى يلمس نتائج الإصلاح على حياته اليومية. أصبحت العلاقة بين المواطن والقرارات الاقتصادية علاقة قائمة على الترقب والقلق، فما إن تعلن الحكومة مراجعة أسعار الوقود، حتى تبدأ الأسواق في رفع أسعار كل شيء، حتى السلع التي لا ترتبط مباشرة بالنقل أو الطاقة، وما إن ترتفع تكلفة خدمة واحدة، حتى تتحرك عشرات الخدمات الأخرى بصورة تلقائية، فيتحول القرار الاقتصادي إلى موجة متتالية من الغلاء تمتد إلى كل بيت. المواطن البسيط لا يقرأ تقارير المؤسسات الاقتصادية، ولا يهتم كثيرًا بمعدلات النمو أو الاحتياطي النقدي أو التصنيفات الائتمانية، لأنه يقيس نجاح الاقتصاد بطريقة مختلفة تمامًا، يسأل نفسه: هل أصبح بإمكاني شراء احتياجات أسرتي بسهولة؟ هل أستطيع تعليم أبنائي دون أن أستدين؟ هل أذهب إلى الطبيب دون أن أقلق من تكلفة العلاج؟ هل أستطيع أن أوفر جزءًا من دخلي للمستقبل؟ إذا كانت الإجابة بالنفي، فإن كل الأرقام الإيجابية بالنسبة له تصبح بعيدة عن واقعه. المؤلم أن المواطن لم يعد يشعر بضغط الزيادات فقط، بل أصبح يعيش حالة من عدم اليقين، فهو لا يعرف ما إذا كانت الأسعار الحالية هي النهاية أم مجرد محطة تسبق زيادات أخرى، وهذا الغموض يدفع الأسر إلى تقليص الإنفاق، وتأجيل قرارات مهمة مثل شراء منزل أو الزواج أو حتى إنجاب طفل جديد، لأن المستقبل أصبح أكثر ضبابية من أي وقت مضى. وفي المقابل، لا يمكن إنكار أن الدولة تحتاج إلى موارد لتمويل مشروعاتها وسداد التزاماتها وتحسين خدماتها، لكن يبقى السؤال المشروع: هل أصبح جيب المواطن هو المصدر الأسهل والأسرع دائمًا؟ وهل استنفدت الدولة كل البدائل الممكنة قبل أن تلجأ إلى فرض أعباء جديدة؟ هناك فرق كبير بين إصلاح اقتصادي يعتمد على زيادة الإنتاج، وجذب الاستثمارات، وتوسيع الصناعة، وتعظيم الصادرات، وبين إصلاح يعتمد بصورة أساسية على رفع الرسوم والأسعار، الأول يصنع ثروة جديدة، أما الثاني فيعيد توزيع أعباء قائمة، وغالبًا ما يكون المواطن هو الحلقة الأضعف فيها. الطبقة المتوسطة تحديدًا أصبحت تدفع الثمن الأكبر، فهي لا تحصل على معظم أشكال الدعم، وفي الوقت نفسه لا تمتلك دخولًا مرتفعة تمكنها من امتصاص موجات الغلاء المتكررة، هذه الطبقة التي كانت تقود الاستهلاك والاستثمار والتعليم أصبحت اليوم منشغلة فقط بالحفاظ على مستوى معيشة مقبول، وهو ما ينعكس على الاقتصاد كله، لأن تراجع قدرتها الشرائية يعني تباطؤ الأسواق وتراجع الطلب. أما أصحاب المشروعات الصغيرة، فقد أصبحوا يواجهون معركة يومية للبقاء، تكلفة الكهرباء، والنقل، والخامات، والإيجارات، والأجور، كلها ترتفع بوتيرة متسارعة، وفي النهاية يضطر صاحب المشروع إلى رفع الأسعار أو تقليل العمالة أو إغلاق مشروعه بالكامل، وهنا لا يخسر هو وحده، بل يخسر الاقتصاد فرصة إنتاج وفرصة عمل ومصدر دخل جديد. ولعل أخطر ما في الأمر أن المواطن بدأ يفقد ثقته في أن الزيادات مؤقتة،  فكلما اعتاد على سعر، فوجئ بسعر أعلى، وكلما أعاد ترتيب ميزانيته، جاءت زيادة جديدة تعيد الحسابات من الصفر، وأصبح السؤال الذي يتردد داخل كل منزل: إلى متى سنظل نعيد ترتيب حياتنا وفقًا لقرارات لا تتوقف؟ الإصلاح الاقتصادي لا ينجح عندما تتحسن المؤشرات فقط، بل عندما يشعر المواطن أن تضحياته بدأت تؤتي ثمارها، عندما يرى مدرسة حكومية تقدم تعليمًا أفضل، ومستشفى حكومي يقدم خدمة تليق بالإنسان، ووسائل نقل أكثر كفاءة، وفرص عمل حقيقية، واستقرارًا في الأسعار يمنحه القدرة على التخطيط للمستقبل. كما أن العدالة الاقتصادية لا تعني أن يتحمل الجميع العبء نفسه، بل أن يتحمل كل طرف ما يتناسب مع قدرته، فالمواطن الذي يحصل على دخل محدود لا يستطيع أن يواجه الضغوط نفسها التي يستطيعها صاحب الثروة أو المستثمر الكبير، ولذلك فإن أي إصلاح اقتصادي يحتاج إلى توازن دقيق بين احتياجات الدولة وقدرة المواطنين على الاحتمال. وربما آن الأوان لأن تتحول فلسفة إدارة الاقتصاد من البحث عن الإيرادات السريعة إلى صناعة موارد مستدامة، فكل مصنع جديد يقلل الحاجة إلى الاستيراد، وكل مشروع إنتاجي يخلق وظائف جديدة، وكل استثمار ناجح يزيد حصيلة الضرائب بصورة طبيعية، دون الحاجة إلى فرض أعباء إضافية على الناس. المواطن لا يطلب المستحيل، ولا يرفض الإصلاح من حيث المبدأ، لكنه يريد أن يشعر بأنه شريك في هذا الإصلاح، لا مجرد ممول له، يريد أن يرى نهاية واضحة للطريق، وأن يسمع خطابًا اقتصاديًا يشرح له متى تبدأ مرحلة جني الثمار، لا أن يبقى الحديث دائمًا عن مرحلة التحمل فقط. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يتردد على ألسنة الملايين، ليس اعتراضًا على فكرة الإصلاح، وإنما بحثًا عن الأمل: متى يأتي اليوم الذي تتوقف فيه الحكومة عن اعتبار جيب المواطن هو الحل الأسرع لكل أزمة مالية؟ ومتى يصبح تحسين حياة الناس هو المؤشر الأول لنجاح أي سياسة اقتصادية، وليس مجرد ارتفاع الأرقام في التقارير؟ لأن الدول لا تُقاس فقط بحجم ما تجمعه من الإيرادات، بل بقدرتها على أن تجعل مواطنيها يشعرون بالأمان الاقتصادي، وأن تمنحهم يقينًا بأن الغد سيكون أقل كلفة وأكثر استقرارًا من اليوم.  

نقيب الإعلاميين لـ«يونيو»: منع ظهور إيهاب قاسم لم يكن إجراءً احترازيًا.. ولدينا قناعة بفداحة المخالفة

كتب :ياسر نور أكد نقيب الإعلاميين أن قرار منع ظهور الإعلامي إيهاب قاسم على الفضائيات لم يصدر كإجراء احترازي لحين انتهاء التحقيقات، وإنما جاء انطلاقًا من قناعة بفداحة المخالفة المنسوبة إليه. وأوضح النقيب، في تصريحات خاصة لـيونيو نيوز ردًا على سؤال حول طبيعة القرار، أن النقابة رأت أن الواقعة تستوجب اتخاذ هذا الإجراء، مشددًا على أن الأمر لا يتعلق بمجرد إجراء مؤقت لحين انتهاء التحقيق. وأضاف أن إيهاب قاسم، بحسب رؤية النقابة، خالف ميثاق الشرف الإعلامي، كما ساهم في نشر الشائعات وتضليل الرأي العام، من خلال ترك الصحفي الإسرائيلي يطرح ما وصفه بـ"المغالطات والأكاذيب المنافية للحقيقة والواقع" دون مواجهتها أو تفنيدها خلال الحوار. وأشار نقيب الإعلاميين إلى أن النقابة تتعامل مع الواقعة في إطار مسؤوليتها عن حماية المعايير المهنية والالتزام بميثاق الشرف الإعلامي، مؤكدًا أن الإجراءات المتخذة تأتي انطلاقًا من الحفاظ على الضوابط المهنية المنظمة للعمل الإعلامي.

نقيب الإعلاميين: الرئيس السيسي يولي الإعلام المصري اهتمامًا غير مسبوق.. والوعي الإعلامي أصبح ضرورة لكل مسؤول

كتب:  ياسر نور أكد نقيب الإعلاميين الدكتور طارق سعده أن الرئيس عبد الفتاح السيسي يولي الإعلام المصري اهتمامًا ودعمًا كبيرين، انطلاقًا من إيمان القيادة السياسية بدور الإعلام في بناء الوعي الوطني، وحماية الأمن القومي، ودعم مسيرة التنمية وبناء الجمهورية الجديدة. جاء ذلك خلال المحاضرة التي ألقاها الدكتور طارق سعده ضمن البرنامج التدريبي لمرشحي شغل منصب نائب رئيس جامعة، والذي ينظمه معهد إعداد القادة بحلوان لتأهيل القيادات الجامعية، بحضور الأستاذ الدكتور كريم همام، مستشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي للأنشطة الطلابية ومدير المعهد. واستهل نقيب الإعلاميين كلمته بتوجيه الشكر إلى الدكتور عبد العزيز قنصوه، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، تقديرًا لجهوده في دعم برامج إعداد القيادات الجامعية وتطوير منظومة التدريب. الإعلام شريك في نجاح المؤسسات وخلال المحاضرة، استعرض طارق سعده ملامح المشهد الإعلامي العالمي والتحولات المتسارعة التي فرضتها الثورة الرقمية، كما تناول واقع المنظومة الإعلامية المصرية، موضحًا أدوار المؤسسات المنظمة للإعلام، وفي مقدمتها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والهيئة الوطنية للإعلام، والهيئة الوطنية للصحافة، إلى جانب الدور المهني لكل من نقابة الإعلاميين ونقابة الصحفيين. وأكد أن المسؤول الناجح لا يكتفي بتحقيق الإنجازات، بل يجب أن يمتلك وعيًا إعلاميًا يساعده على إدارة التواصل مع وسائل الإعلام، وتقديم المعلومات للرأي العام بدقة وشفافية، بما يعزز الثقة بين المؤسسات والمواطنين. وأضاف أن الإعلام أصبح الواجهة الحقيقية للمؤسسات، وأن القدرة على تسويق الإنجازات وإدارة الرسائل الإعلامية باحترافية تمثل عنصرًا أساسيًا في بناء الصورة الذهنية الإيجابية لأي مؤسسة. الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي وأشار نقيب الإعلاميين إلى أن الإعلام الرقمي بات الأكثر تأثيرًا وانتشارًا، ما يفرض على مؤسسات الدولة تطوير منصاتها الإلكترونية وإدارتها وفق أحدث أساليب صناعة المحتوى، مع سرعة التعامل مع الشائعات والأزمات الإعلامية من خلال الالتزام بالمصداقية والشفافية. كما دعا الجامعات المصرية إلى توسيع الاستفادة من تقنيات الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، عبر تعزيز التعاون بين كليات الإعلام والحاسبات والمعلومات والهندسة، وتنفيذ مشروعات تخرج مشتركة تقدم حلولًا مبتكرة تخدم المجتمع وتواكب متطلبات سوق العمل. إشادة بدعم الرئيس للإعلام وفي ختام المحاضرة، أعرب الدكتور طارق سعده عن تقديره للدعم الذي يقدمه الرئيس عبد الفتاح السيسي للإعلام المصري، مؤكدًا أن هذا الاهتمام يعكس قناعة الدولة بأهمية الإعلام في بناء الإنسان المصري، وترسيخ الوعي الوطني، وتطوير المؤسسات الإعلامية لتكون أكثر قدرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا. وعقب المحاضرة، دار حوار مفتوح بين نقيب الإعلاميين ومرشحي شغل منصب نائب رئيس جامعة، تناول آليات التعامل مع وسائل الإعلام وإدارة الرسائل الإعلامية داخل المؤسسات الجامعية، قبل أن يختتم اليوم بجولة داخل معهد إعداد القادة للاطلاع على أعمال التطوير والتحديث، والتقاط صورة تذكارية مع قيادات المعهد والمشاركين في البرنامج التدريبي.

الأكثر قراءة هذا الأسبوع

رياضة

"فكري الهواري يطلق صرخة من قلب نادي الشيخ زايد للرئيس السيسي: أنقذوا حلم 100 ألف مواطن قبل ضياع أرض الامتداد"

محمود أبو السعود يوليو ١٧, ٢٠٢٦ 0